إثيوبيا: كيف تحمى إثيوبيا سمائها؟

كيف تحمى إثيوبيا سمائها؟


إستكمالاً  لخط التصعيد المستمر في أزمة السد الأثيوبي والذي ظل مستمراً لما يقارب ال9 سنوات ، وإنتهاءً بالقرار الإثيوبي برفض كافة الحلول التي تطرحها دولتى المصب مصر والسودان ، وبوادر إنتهاء المرحلة "التفاوضية" بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر ، وزيادة مؤشرات الإنتقال إلي مرحلة "العمل العسكري" التى أصبح واقع طبولها أعلى من أي وقت مضى ، لذا نسلط الضوء هنا علي قدرات إثيوبيا في نطاق تأمين مجالها الجوى بشكل عام وتركيز تلك القدرات علي تأمين هدفها الحيوي الأهم حالياً وهو السد الإثيوبي .


فبنظرة عامه نجد بأن الجيش الإثيوبي نتيجة لعوامل الصراعات الداخلية والإقليمية التي إشترك بها إلى جانب النمط القبائلي والعشائري بإثيوبيا ، لم تخلق تلك البيئة عوامل لتكوين جيش مُنظم وإحترافي يتساوى مع تاريخ وحجم إثيوبيا بشرق إفريقيا ، خصوصاً مع القتال الأهلي الأخير ضد جبهة تحرير تجراى التي تفيد العديد من التقارير  بأنها كانت تمثل القوة الضاربة للجيش الإثيوبي منذ زمن بعيد ، لذا لا يوجد شكلً واضح الأن يحدد الهيكل الرئيسي للجيش الأثيوبي نظراً لأن الصراع حتى الأن ضد إقليم تجراى لم ينتهى بشكلٍ كامل ، إلي جانب عدم الوضوح التنظيمي الخاص بالقوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البرية .


لذا فإن تركيزنا الأن سينحصر علي العناصر التي ستشترك "نظرياً" في تأمين السد الأثيوبي ، وهي القوات الجوية وبالأخص عنصر الطائرات المقاتلة ، ووسائل الدفاع الجوي سواء أكانت معدات إنذار مبكر كالرادارات ووسائل الإستطلاع المختلفة أو وحدات نيرانية "صاروخية" سواء كانت قصيرة أو متوسطة المدى ، وهذه هى قوام العناصر المتوفرة لدي الجيش الإثيوبي بشكل عام بحسب مصادر المعلومات المعلنه المختصة بشئون الدفاع .


القوات الجوية : 
بدأت نواة سلاح الجو الإثيوبي الحديثة عام 1977 عقب إنهاء حكم الامبراطور هيلا سيلاسى عندما تم شراء 20 مقاتلة ميج-17 و48 مقاتلة MIG-21PF ، أعقبها صفقة أخرى عام 1982 ل50 مقاتلة MIG-21MF ، ثم صفقة ل 60 مقاتلة MIG-23BN وأخرى عام 1985 ل30 مقاتلة MIG-21BIS من قِبل الإتحاد السوفيتي والتى كانت كل طائرات تلك الصفقات من فوائض إستعمال سلاح الجو السوفيتي ، وبسبب عدم وجود نواة سلاح جو ككلية جوية لتخريج طياري سلاح الجو ، إستعانت إثيوبيا بطيارين كوبيين لتشغيل تلك المقاتلات خلال تلك الفترة ولمدة طويلة نسبياً ، ولعدم وجود قوى عسكرية كبيرة بالمحيط الجغرافي تمثل تهديد حقيقي لإثيوبيا ،لم يكن هناك ما يستدعي إستكمال التطوير  لسلاح الجو بشكل ممنهج.

وبعد ما يقرب من إثنى عشر عاماً تلقى سلاح الجو الإثيوبي دفعة مكونة من 9 مقاتلات SU-27 عام 1999 تم تدعيمهم عام 2002 ب8 مقاتلات أخرى من نفس الطراز  مع تسليح مكون من 100 صاروخ جو-جو قصير المدي طراز R-73  و80 صاروخ جو-جو بعيد المدى طراز R-27T وجميع هذه الصفقات من فوائض إستعمال سلاح الجو الروسي ، والتى لم يعرف حتى الأن كفائة تلك الطرازات وصلاحياتها العملياتية ، إذ أن صلاحية الصواريخ بشكل عام لا تتعدى العشر سنوات ويجب إستيراد بديلاً عنها كمثال أو تغيير محركاتها على الأقل . 


الدفاع الجوي:
شهد الدفاع الجوي الإثيوبي أيضاً طفرة كبيرة عام 1977 عندما تم إستيراد 4 كتائب دفاع جوي طراز SAM-2 Dvina  مع 100 صاروخ خاص بتلك الوحدات ، بالإضافة إلي 25 كتيبة دفاع جوى طراز SAM-3 Pechora ذو قواذف صواريخ رباعية لتكون تلك الكتائب هى نواة تشكيل منظومة الدفاع الجوي الإثيوبى ، ولكن لتأثير الظروف السياسية الداخلية لم يتم إستكمال باقى المكونات الرئيسية لمنظومة الدفاع الجوي الإثيوبى سواء رادارات الإنذار المبكر التى تمثل الأعين الوحيدة لرصد وتتبع أى أهداف في نطاق المجال الجوي الإثيوبي أو خارجة ، أو مكونات مراكز القيادة والسيطرة التى تمثل عصب السيطرة علي ذلك الحجم من وحدات الدفاع الجوي (29 كتيبة).


ويبدو أنه كانت هناك خطط تطوير  لتلك المنظومة ولكنها متذبذبه ، إذ إقتنى الدفاع الجوي الإثيوبى 3 منظومات Kolchuga  للتبع السلبى فى 2000 ، وهى تعمل علي رصد الترددات اللاسلكية والرادارية الصادرة سواء من طائرات بمختلف أنواعها أو مصادر بث أرضية سواء مراكز قيادة وسيطرة أو محطات رادارية من خلال رسم مسارات تلك الترددات من الثلاث محطات وتحديد نقاط تقاطع البث وبالتالى تحديد إحداثيات تلك المصادر والتى تصل إلي 400:650كم حسب إرتفاع مصدر البث من سطح الأرض .


وفى عام 2012 إنضمت منظومة الدفاع الجوى الصينية متوسطة المدى HQ-64 إلي الدفاع الجوي الإثيوبي مع 75 صاروخ PL-11 بمدى 18كم ، والتى تتميز بتحميلها علي عربات نقل مما يوفر لها قدرة المناورة السريعة ، ولكنه يعيبها أنها كتيبة منفردة ذو عربتى مذودتين بمنصات إطلاق كل منها يحمل 4 صواريخ ، إلي جانب أحدث الصفقات التى تمت فى 2019 بإنضمام 4 منظومات دفاع جوى قصيرة المدى روسية طراز بانستر اس1 والتى تتميز بتنوعها النيرانى من صواريخ ومدفعية مضادة للطائرات على نفس المنصه ، إلي جانب تحميلها على شاحنات نقل التى توفر لها قدرة علي المناورة .


طبوغرافيا إثيوبيا:
قد تكون "الهضبة الإثيوبية" هو الإسم المتداول لتلك البقعة الجغرافية لإفريقيا شارحاً لذاته ، إذ أنها تتميز بإرتفاعها الكبير خاصاً فى شمال وشرق إثيوبيا وتدرج إنخفاضاً تجاه الجنوب والغرب ، متضمنة فى جنباتها بالعديد من الجبال والوديان والسهول الكثيفه ، لذا فإن عامل الإستواء الأرضي اللازم لمنظومات دفاع جوى سواء كانت وسائل إنذار أو وسائل نيرانية تلقى تحدي كبير للغاية للعمل وسط هذه الطبيعة الجغرافية الصعبة ، إذ أن أى إرتفاعات أرضية تقلص من نطاق الحقل الراداري اللازمة لرصد أى أهداف جوية ، وبالتالى يفقد الدفاع الجوي ميزة "الإنذار المبكر" الذى يتيح منظومات الدفاع الجوي المختلفة الزمن الكافي للإستعداد للتصدي لأي أهداف جوية ، وبالتالى فإن تلك الطبيعة الجغرافية تلقص أيضاً من مدايات عمل كتائب الصواريخ نفسها .


كيف تحمى إثيوبيا السد؟
قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نوضح بشكل مبسط العناصر الواجب توافرها لأى دولة لتأمين مجالها الجوي بشكل عام والتى ستقتصرها علي خمسة عناصر :
1- عنصر الإنذار المبكر:
وهى عبار عن الوسائل الرادارية التى تستطيع كشف وتتبع أى هدف جوي من خارج المجال الجوي للدولة وصولاً إلي داخل المجال الجوي لها ، وينقسم ذلك العنصر إلي رادارات إنذار أرضية ورادارات إنذار محمولة جوية (طائرات الإنذار المبكر).
2- عنصر القيادة والسيطرة:
وهى مراكز قيادة يسطر كل منها علي عدد من وحدات الدفاع الجوي سواء أكانت صواريخ أو مدفعية مضادة للطائرات فى قطاع جغرافي محدد ، بحيث تنسق العمل بين تلك الوحدات وأولوية التعامل مع الأهداف .
3- وحدات النيران:
والمقصود بها هنا هى الوحدات التى تمتلك قدرات نيرانية وتتعامل بشكل إيجابي مع الأهداف المعادية ، سواء اكانت تلك الوحدات ذو تسليح صاروخي بمختلف مداياته أو بمدفعية مضادة للطائرات بمختلف أعيرتها .
4- طائرات مقاتلة:
وهى طائرات لديها القدرات التسليحية (صواريخ جو-جو) تستطيع من خلالها تنفيذ مهام إعتراض جوي لأى أهداف جوية سواء داخل المجال الجوي الإثيوبي أو خارجة ، وتتفاوت قدرات الإعتراض حسب نوع كل طائرة من حيث مداها القتالي ورادارها الذاتي واجهزة الحرب الإلكترونية المتوفرة عليها وتسليحها الذى يمثل جوهر قدرة أى مقاتلة.
5- الطبيعة الجغرافية:
وهى طبيعة الأرض المفروضة علي وسائل الدفاع الجوي ، والتى يجب التعامل معها بشكل جيد من خلال إنتقاء و توزيع وحدات الدفاع الجوي المختلفة فى مناطق ذو طبيعة منبسطة و تتوفر بها حقول كشف وتعامل كبير تتناسب مع كل منظومة علي حسب طبيعة عملها .  

 
وبالرجوع إلي السؤال الأساسي " كيف تحمى إثيوبيا السد" نجد بأن إثيوبيا لا يتوافر لديها العنصرين الأساسيين فى بناء منظومة دفاع جوي جيد وهم (الإنذار المبكر – مراكز القيادة والسيطرة) ، إذ لا يوجد ما يؤكد على شراء أى معدات تعمل تحت بند العنصرين السابقين طوال ال40 عاماً ، وبالتالي فإنها لا تستطيع إكتشاف "بشكل كفء" الأهداف الجوية التى قد تهدد سمائها سواء عند الإقتراب أو داخل المجال الجوي الإثيوبي ذاته خاصة وأن السد يقع على بعد 16كم تقريباً من الحدود الغربية مع السودان ما يقلص من الأساس زمن رد الفعل اللازم من طرف سلاح الجو الإثيوبي ودفاعة الجوي لرد الفعل المضاد لأى إختراق جوي .


وبالإنتقال إلي عنصري الدفاع الإيجابي (وحدات النيران – الطائرات المقاتلة) ، نجد بأن فقدان عنصر القيادة والسيطرة السابق ذكره يمنع التنسيق بين عمل المقاتلات ووحدات الدفاع الجوي الإثيوبية ، ما يحجب قدرة أحدهما للسماح بعمل الأخرى لعدم التعرض لخطر النيران الصديقة ، وفى حال تقييد عمل وحدات الدفاع الجوي الإثيوبي لإفساح المجال للمقاتلات الإثيوبية للعمل فى منطقة السد ، فسنجد بأن تلك المقاتلات ستجبر علي العمل منفردة دون دعم من مراكز القيادة والسيطرة التى يفترض بها توجيه تلك المقاتلات فى السماء إلي الأهداف المعادية للتصدي لها قبل تدمير الهدف (السد) ، وبالتالى فستعتمد تلك المقاتلات علي رادارتها الذاتية لتكشف تلك الأهداف ، والتى لا تتوفر لإثيوبيا مقاتلات تمتلك رادارات جيدة سوى مقاتلات 17 مقاتلة سوخوى-27 وهى طراز قديم مُقتنى كما ذكرنا سابقاً من إستعمال سلاح الجو الروسي ولا يعرف مدى صلاحيتها الفنية والتى تحدد كم عدد المقاتلات الصالحة للطيران بالأساس ولا عدد الطيارين سواء الإثيوبيين أو المرتزقة المؤهلين لتشغيل تلك المقاتلات ، إلي جانب إنتهاء صلاحية الصواريخ جو-جو الخاصة بتلك المقاتلات ، إذ لم تثبت أى مصادر من أكثر من 20 عاماً ورود أى صواريخ حديثة لإستبدال القديمة ، فى حين أن العمر الإفراضي لتلك الصواريخ هى 10 سنوات كحد أقصى .


وبالإنتقال إلي عنصر آخر (وحدات النيران) نجد بأن من بين كل المنظومات المتوفرة للدفاع الجوي الإثيوبي ، تمثل ال SAM-3 Pechoraأطول المنظومات مدى عمل بما يقارب ال25كم تقريباً ، ولكن بالرجوع إلي مصادر المعلومات المفتوحة نجد أن بمحيط السد لا تتواجد سوى منظومة واحدة SAM-3 شمال موقع السد بمسافة تقريبية 12كم وتقع شمال غربها بمسافة لا تتعدى 2كم منظومة أخرى طراز HQ-64 بمدى عمل 18 كم ولا يتوافر بهاتين المنظومتين رادار إنذار  مبكر مما يجبر تلك المنظومات بفتح راداراتها بشكل مستمر للبحث عن أهداف جوية مما يهدد بسهولة كشف مواقعهم وتدميرها بوسائل إخماد الدفاع الجوي العديدة أو إعاقتهم رادارياً دون تدميرهم ، وهاتين المنظومتين منتشرتين فى منطقة تحيط بها سلاسل جبلية من الجنوب والغرب والشرق بشكل يعيق قدرتهم علي رصد واضح لأي أهداف في منطقة السد أو طريق الإقتراب الشرقي أو الجنوب الشرقي ، لذا فإن الثغرات العديدة يمكن أن تتعامل معها إثيوبيا عن طريق توظيف منظومات البانستير الأربع التى يمكن أن تعمل شرق وجنوب شرق موقع السد ، للإستفادة من قدرة المناورة والحركة العالية التى تتمتع بها تلك المنظومات ولكنها بالطبع غير كافيه.


إجمالاً يمكن توصف قدرة إثيوبيا علي تأمين مجالها الجوي بشكل عام وموقع السد بشكل خاص بأنها "ضعيفة للغاية" ، سواء أكانت من قدرات دول مجاورة لها وبالأخص السودان التى تعتبر أقوى جوار جغرافي لإثيوبيا ، أو دول إقليمية فى المحيط الإفريقي ترى فى السياسات الإثيوبية مهدد وجودى لها.