وافقت الولايات المتحدة على صفقة دفاعية ضخمة لصالح الكويت تتضمن تزويدها بمنظومات متقدمة لمكافحة الطائرات المسيّرة بقيمة تقديرية تبلغ نحو 1.98 مليار دولار. وتمثل الصفقة واحدة من أكبر برامج مكافحة الطائرات غير المأهولة التي يتم الإعلان عنها عالمياً خلال السنوات الأخيرة، كما تكشف عن تنامي أهمية الدفاع ضد الطائرات المسيّرة باعتباره أحد المحاور الرئيسية في استراتيجيات الأمن القومي لدول المنطقة.
ووفقاً للإخطار الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الصفقة المقترحة تهدف إلى تعزيز قدرة الكويت على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية المرتبطة بالطائرات غير المأهولة، من خلال توفير مزيج من قدرات الكشف والتتبع والاعتراض الإلكتروني والحركي ضمن منظومة دفاعية متكاملة. وأكدت واشنطن أن الصفقة تنسجم مع أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكية، وتدعم أمن أحد الحلفاء الرئيسيين من خارج حلف شمال الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط.
وتقود شركة Anduril Industries تنفيذ الصفقة باعتبارها المتعاقد الرئيسي، وهو ما يعكس الصعود السريع للشركة داخل سوق التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية. فمنذ تأسيسها قبل سنوات قليلة فقط، نجحت Anduril في التحول إلى أحد أبرز اللاعبين في مجالات الأنظمة الذاتية والحرب الشبكية ومكافحة الطائرات المسيّرة، لتصبح منافساً مباشراً للشركات الدفاعية التقليدية الكبرى في الولايات المتحدة.
وتضم الحزمة المقترحة عدداً من أكثر الأنظمة تطوراً التي طورتها الشركة خلال الأعوام الأخيرة. ويبرز في مقدمتها نظام Roadrunner-Munition، وهو اعتراض جوي ذاتي التشغيل صُمم خصيصاً لملاحقة الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة والأهداف الجوية منخفضة الارتفاع. ويتميز النظام بقدرته على الإقلاع العمودي والانطلاق بسرعة عالية نحو الهدف ثم تدميره بطريقة حركية مباشرة، ما يجعله أقرب إلى مفهوم "المقاتلة غير المأهولة الاعتراضية" منه إلى الصاروخ التقليدي.
كما تشمل الصفقة منظومة Anvil-Kinetic التي تعد واحدة من أشهر حلول مكافحة الطائرات المسيّرة لدى Anduril. وتعتمد المنظومة على طائرة اعتراضية صغيرة قادرة على الاصطدام المباشر بالطائرة المعادية وتحييدها دون الحاجة إلى استخدام ذخائر متفجرة. وقد أثبت النظام فعاليته خلال الاختبارات والبرامج التشغيلية المختلفة التي نفذتها القوات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
ولا تقتصر الحزمة على وسائل الاعتراض فقط، بل تتضمن أيضاً شبكة واسعة من المستشعرات وأنظمة القيادة والسيطرة. وتشمل هذه المكونات أبراج Sentry Tower طويلة المدى المخصصة للمراقبة والكشف، إضافة إلى نسخ متحركة وأخرى بحرية قادرة على تغطية مساحات واسعة من المجال الجوي والبحري. كما تتضمن الصفقة نظام Lattice Command and Control الذي يمثل العمود الفقري الرقمي لمنظومات Anduril، حيث يقوم بدمج البيانات الواردة من الرادارات والكاميرات والمستشعرات المختلفة وتحويلها إلى صورة عملياتية موحدة تسمح باتخاذ قرارات الاشتباك بسرعة كبيرة.
ومن العناصر اللافتة أيضاً إدراج قدرات الحرب الإلكترونية ضمن الصفقة، بما في ذلك منظومات Pulsar Electromagnetic Warfare ومراكز العمليات التكتيكية المتخصصة. ويعكس ذلك اتجاهاً متزايداً نحو بناء دفاعات متعددة الطبقات لا تعتمد فقط على إسقاط الطائرات المسيّرة، بل تشمل أيضاً التشويش على اتصالاتها وأنظمة ملاحتها وإخراجها من المعركة قبل وصولها إلى أهدافها.
وتأتي الموافقة الأمريكية في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للكويت والمنطقة عموماً. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً في المخاوف المرتبطة بالتهديدات الجوية غير التقليدية، بعدما تعرضت منشآت كويتية لهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى تعزيز الدفاعات الجوية قصيرة المدى والمتخصصة في مواجهة هذا النوع من الأهداف. وتشير البيانات الأمريكية إلى أن الطلب الكويتي جاء في إطار السعي لتحسين القدرة على التصدي للتهديدات الحالية والمستقبلية التي تفرضها الطائرات غير المأهولة والذخائر الجوالة.
تمثل الصفقة تحولاً مهماً في طبيعة الاستثمار الدفاعي الخليجي. فعلى مدى عقود تركزت الأولوية على شراء الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى والصواريخ الباليستية المضادة للطائرات. أما اليوم، فإن التجارب القتالية الحديثة في أوكرانيا والشرق الأوسط أظهرت أن الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة أصبحت قادرة على تهديد أهداف استراتيجية وعسكرية بالغة الأهمية، ما دفع الجيوش إلى تخصيص استثمارات ضخمة لبناء شبكات دفاع متخصصة للتعامل معها.
وتحمل الصفقة دلالات مهمة، فالقيمة التي تقترب من ملياري دولار تجعلها من أكبر العقود المرتبطة بمكافحة الطائرات المسيّرة في العالم، وتؤكد أن هذا القطاع تحول من سوق ناشئة إلى أحد أسرع قطاعات التسليح نمواً. كما تمنح Anduril دفعة قوية في منافستها مع شركات دفاعية كبرى تسعى هي الأخرى للاستحواذ على حصة من سوق مكافحة الطائرات غير المأهولة الذي يتوقع أن تتجاوز قيمته عشرات المليارات من الدولارات خلال العقد المقبل.
الصفقة تعكس تحولاً أوسع في مفهوم الدفاع الجوي الخليجي. فبدلاً من الاعتماد الحصري على الطبقات التقليدية للدفاع ضد الطائرات والصواريخ، تتجه دول المنطقة نحو بناء شبكات متكاملة تشمل الرادارات الذكية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والاعتراض الحركي منخفض الكلفة. ويهدف هذا النهج إلى التعامل مع التهديدات الحديثة التي تتسم بالكثافة العددية والمرونة التشغيلية وانخفاض الكلفة مقارنة بالوسائل التقليدية.
إن موافقة واشنطن على بيع منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة من إنتاج Anduril للكويت لا تمثل مجرد صفقة تسليحية جديدة، بل تعكس تحولاً جوهرياً في أولويات الأمن الإقليمي. فمع تزايد انتشار الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة في النزاعات المعاصرة، أصبحت القدرة على اكتشاف هذه التهديدات واعتراضها عاملاً حاسماً في حماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية. وإذا اكتملت الصفقة بصيغتها الحالية، فإن الكويت ستكون من أوائل دول المنطقة التي تمتلك شبكة متكاملة تعتمد على أحدث تقنيات الاعتراض الذاتي والحرب الإلكترونية والقيادة الشبكية لمواجهة الجيل الجديد من التهديدات الجوية.