أخبار: بولندا تتحول إلى مركز إنتاج صواريخ Frankenburg Mark I المضادة للمسيرات

أعلنت مجموعة الدفاع البولندية المملوكة للدولة PGZ عن توقيع اتفاقية إطارية ضخمة مع شركة Frankenburg Technologies الإستونية، لتحويل بولندا إلى مركز إقليمي وعالمي للإنتاج الكمي لصواريخ Mark I المبتكرة والمخصصة لاصطياد الطائرات المسيرة. تأتي هذه الاتفاقية في ظل تنامي تهديدات "حروب الاستنزاف" بالدرونات الانتحارية، حيث تسعى وارسو وتالين من خلال هذا التعاون إلى تأسيس خطوط إنتاج صناعية قادرة على تلبية الطلب المتزايد في أوروبا ومنطقة حلف شمال الأطلسي (NATO).

تستهدف الاتفاقية إنشاء منشأة تصنيع متطورة في بولندا بطاقة إنتاجية تصل إلى 10,000 صاروخ سنوياً. ويعد صاروخ Mark I ثورة في فلسفة التصميم العسكري، حيث يعتمد على مبدأ "التكلفة المنخفضة والفاعلية العالية" لمواجهة الدرونات من فئة Shahed وما يماثلها من الذخائر المتسكعة، والتي كان إسقاطها بمنظومات دفاع جوي تقليدية مكلفة يمثل استنزافاً هائلاً لميزانيات الدفاع.

من الناحية التقنية، يعمل صاروخ Mark I بنظام "أطلق وانسَ" (Fire-and-Forget)، وهو مزود برأس باحث كهروبصري متطور ونظام توجيه بمسار مغلق يضمن دقة متناهية في إصابة الأهداف الصغيرة. يبلغ مدى الصاروخ العملياتي حوالي 2 كيلومتر، مع قدرة على اعتراض الأهداف على ارتفاعات تصل إلى 1.5 كيلومتر. وما يميز هذا الابتكار هو استخدامه لمحرك يعمل بالوقود الصلب يمنحه تسارعاً فورياً لحظة الإطلاق، ورأساً حربياً يزن 500 جرام يعتمد على شظايا زجاجية بدلاً من الشظايا المعدنية التقليدية، مما يضمن اختراقاً فعالاً لهياكل الدرونات الخفيفة مع تقليل الأضرار الجانبية في المناطق المأهولة.

تعتمد المنظومة بنية هندسية مفتوحة تتيح دمج قاذفات Mark I (التي تحمل كل منها 4 صواريخ) مع أنظمة الرادار والمستشعرات الأرضية الموجودة حالياً لدى العملاء، مما يسهل عملية النشر العملياتي السريع دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في بنية تحتية جديدة.

تحمل هذه الصفقة أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد التسلح؛ فهي تمثل بداية عصر "التصنيع الدفاعي الرشيق" في أوروبا. إن اختيار بولندا لتكون منصة الإنتاج يعزز من مكانتها كـ "ترسانة أوروبا" الجديدة وقاعدة لوجستية متقدمة لحماية الجناح الشرقي للحلف. ومن المتوقع أن تبدأ التجارب القتالية الميدانية لهذه الصواريخ في أوكرانيا بين شهري أبريل ويونيو 2026، حيث ستوفر التغذية الراجعة من ميدان القتال الحقيقي بيانات حاسمة لتحسين خطوط الإنتاج المتسلسل في بولندا.

استراتيجياً، يهدف هذا المشروع إلى معالجة "الفجوة الاقتصادية" في الدفاع الجوي؛ فبينما يبلغ ثمن الدرون الانتحاري بضعة آلاف من الدولارات، تتجاوز تكلفة الصواريخ الاعتراضية التقليدية مئات الآلاف. إن توفير صاروخ Mark I بتكلفة زهيدة وإنتاج كمي ضخم يقلب الطاولة على المهاجمين، حيث تصبح تكلفة الدفاع موازية أو حتى أقل من تكلفة الهجوم، مما يحيد استراتيجية "الإغراق بالدرونات" التي تتبعها بعض القوى لإنهاك الدفاعات الجوية.

علاوة على ذلك، يمهد هذا التعاون الطريق لتطوير الجيل القادم Mark II، الذي يستهدف مدى يتراوح بين 5 إلى 8 كيلومترات، مما سيخلق مظلة دفاع جوي طبقية متكاملة تعزز من أمن الحدود البولندية وبقية دول البلطيق ضد أي اختراقات مستقبلية.

على مستوى السوق العالمي، يمثل ظهور بولندا كمركز لإنتاج صواريخ Frankenburg تحدياً مباشراً لكبرى شركات الدفاع التقليدية التي تعتمد على منصات باهظة الثمن ومعقدة التصنيع. إن نجاح هذا النموذج قد يدفع نحو تحول عالمي في صناعة الصواريخ نحو "المكونات المتاحة تجارياً" (COTS) لخفض التكاليف وتسريع وتيرة التصنيع، وهو ما وصفه مسؤولو شركة Frankenburg بـ "أسلوب SpaceX في الصواريخ الدفاعية".

تؤدي هذه الخطوة إلى تعزيز تنافسية مجموعة PGZ البولندية في الأسواق الدولية، حيث ستصبح المورد الرئيسي لمنظومات الدفاع ضد الدرونات منخفضة التكلفة، وهو قطاع يشهد طلباً عالمياً متفجراً ليس فقط في أوروبا، بل في الشرق الأوسط وآسيا أيضاً. إن بناء مصنع بقدرة 10,000 صاروخ سنوياً يضع بولندا في صدارة سلاسل التوريد العالمية للذخائر الذكية، ويجذب استثمارات تكنولوجية كبرى نحو قطاع الدفاع المحلي.

إضافة إلى ذلك، فإن التكامل الصناعي بين إستونيا (صاحبة الابتكار التقني) وبولندا (صاحبة القدرة التصنيعية) يقدم نموذجاً يحتذى به للتعاون الدفاعي بين الدول الصغيرة والمتوسطة داخل الاتحاد الأوروبي، مما يقلل الاعتماد على الموردين الخارجيين ويعزز "الاستقلال الاستراتيجي" للقارة في مواجهة التهديدات الهجينة والحروب الحديثة التي تلعب فيها المسيرات الدور المحوري.