في ظل التحول المتسارع الذي تشهده ساحات القتال الحديثة بفعل الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة، كشفت شركة Moog Defense الأمريكية عن منظومة Vengeance الجديدة للدفاع الجوي قصير المدى ومكافحة الطائرات غير المأهولة، لتدخل الشركة بذلك أحد أكثر قطاعات الصناعات الدفاعية نمواً وأهمية خلال السنوات الأخيرة. ويأتي الإعلان في وقت أصبحت فيه الجيوش الغربية تبحث بصورة متزايدة عن حلول قادرة على مواجهة التهديدات الجوية منخفضة الكلفة التي أثبتت فعاليتها في النزاعات الحديثة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى مناطق التوتر في المحيطين الهندي والهادئ.
وتُعد Vengeance منصة قتالية متكاملة صممت لتوفير قدرة دفاعية متحركة ضد الطائرات المسيّرة بمختلف فئاتها، إضافة إلى المروحيات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة وبعض التهديدات الأرضية. وقد جرى تطوير النظام ليعمل فوق مجموعة واسعة من المركبات العسكرية المدرعة أو التكتيكية، ما يمنح المستخدمين مرونة كبيرة في دمجه ضمن تشكيلات القوات البرية المختلفة دون الحاجة إلى تطوير منصة جديدة بالكامل.
ويعتمد النظام على برج قتالي يتم التحكم فيه عن بعد ويضم مزيجاً من الأسلحة وأجهزة الاستشعار المصممة للتعامل مع التهديدات الحديثة متعددة الأنماط. ويبرز في مقدمة هذه القدرات مدفع أوتوماتيكي عيار 30 ملم XM914 قادر على إطلاق ذخائر مخصصة للتعامل مع الأهداف الجوية الصغيرة، وهي فئة من الذخائر أصبحت تمثل أحد أهم عناصر الدفاع ضد الطائرات المسيّرة نتيجة قدرتها على إنتاج سحابة من الشظايا في مسار الهدف بدلاً من الاعتماد على الإصابة المباشرة فقط.
ويُكمل المدفع الرئيسي حزمة تسليح صاروخية تضم صواريخ Stinger الشهيرة للدفاع الجوي قصير المدى، ما يمنح المنظومة قدرة على الاشتباك مع أهداف جوية على مسافات أبعد من تلك التي يغطيها المدفع. ويعكس هذا الدمج بين المدفع والصاروخ اتجاهاً متزايداً في تصميم أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، حيث تسعى الشركات إلى توفير طبقات متعددة من الاشتباك داخل منصة واحدة قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات.
كما زُودت المنظومة بمجموعة متطورة من المستشعرات تشمل رادارات كشف وتتبع وأنظمة كهروبصرية تعمل في مختلف الظروف الجوية، بما يسمح باكتشاف الأهداف الصغيرة ومنخفضة البصمة الرادارية التي غالباً ما تشكل تحدياً لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية. وتلعب هذه المستشعرات دوراً محورياً في عمليات التصنيف والتتبع وتحديد أولويات الاشتباك، خاصة عند مواجهة عدة أهداف في وقت واحد أو التعامل مع أسراب من الطائرات غير المأهولة.
ويعكس تطوير Vengeance الدروس المستخلصة من النزاعات الأخيرة التي كشفت عن تغير جوهري في طبيعة التهديدات الجوية. فخلال العقدين الماضيين كانت معظم أنظمة الدفاع الجوي مصممة للتعامل مع الطائرات المقاتلة والمروحيات والصواريخ التقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت الطائرات المسيّرة الصغيرة والذخائر الانتحارية الرخيصة الثمن تشكل تحدياً مختلفاً تماماً من حيث الحجم والسرعة والبصمة الحرارية والرادارية وكلفة الاعتراض.
وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا بصورة خاصة أن الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بمنظومات عسكرية باهظة الثمن، الأمر الذي دفع الجيوش إلى إعادة النظر في مفهوم الدفاع الجوي القريب. فإطلاق صاروخ باهظ الثمن لاعتراض طائرة مسيّرة منخفضة الكلفة ليس حلاً اقتصادياً على المدى الطويل، ولهذا أصبحت المدافع الآلية والذخائر الذكية وأنظمة الطاقة الموجهة من أكثر المجالات التي تشهد استثمارات متزايدة داخل قطاع الصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، تسعى Moog إلى تقديم Vengeance باعتبارها حلاً يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة العملياتية. فالمدفع عيار 30 ملم يوفر وسيلة أقل كلفة للتعامل مع الأهداف القريبة مقارنة بالصواريخ، بينما تمنح صواريخ Stinger طبقة إضافية من الحماية ضد الأهداف التي تتطلب مدى اشتباك أكبر. ويؤدي هذا التكامل إلى تقليل استنزاف الذخائر مرتفعة الكلفة وتحسين القدرة على مواجهة هجمات الإغراق التي تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة في وقت واحد.
يوفر النظام للقوات البرية قدرة على مرافقة الوحدات المتحركة وتأمينها أثناء المناورة، وهو عنصر أصبح بالغ الأهمية في ضوء الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة الاستطلاعية والانتحارية في ساحات القتال الحديثة. فبدلاً من الاعتماد على مظلة دفاع جوي ثابتة أو بعيدة المدى فقط، تستطيع الوحدات القتالية اصطحاب منظومة دفاعية عضوية ترافقها بشكل مستمر وتوفر استجابة فورية للتهديدات الجوية المفاجئة.
كما أن مرونة دمج Vengeance على منصات مختلفة تمنحها جاذبية إضافية في الأسواق الدولية. فالكثير من الجيوش تبحث اليوم عن حلول يمكن إدخالها إلى الخدمة بسرعة ومن دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية أو التدريب. وتسمح الطبيعة المعيارية للمنظومة بتركيبها على مركبات مجنزرة أو مدولبة وفق احتياجات المستخدم وطبيعة البيئة العملياتية.
يدخل النظام منافسة مباشرة مع عدد من المنظومات الغربية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة استجابة لثورة الطائرات المسيّرة، وفي مقدمتها Skyranger 30 من Rheinmetall وM-SHORAD الذي يتبناه الجيش الأمريكي، إضافة إلى حلول أوروبية وأمريكية أخرى تعتمد على المدافع والصواريخ وأجهزة الحرب الإلكترونية. ويؤكد ذلك أن سوق مكافحة الطائرات المسيّرة أصبح أحد أكثر قطاعات التسليح نمواً على مستوى العالم، مع توقعات باستثمارات بمليارات الدولارات خلال العقد المقبل.
إن ظهور Vengeance يعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة سباق التسلح العالمي. فبعد عقود كان التركيز فيها موجهاً نحو الطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة المدى، أصبحت مواجهة الطائرات المسيّرة تمثل أولوية متقدمة لدى معظم الجيوش الكبرى. ويعني ذلك أن أنظمة الدفاع الجوي المستقبلية لن تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط الطائرات التقليدية، بل أيضاً بفعاليتها في التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف الصغيرة والرخيصة التي باتت تشكل تهديداً يومياً في ميادين القتال.
تمثل منظومة Vengeance محاولة أمريكية جديدة للاستجابة لمتطلبات الحرب الحديثة التي تفرضها الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة. ومن خلال الجمع بين المدفع الآلي عيار 30 ملم وصواريخ Stinger وأجهزة الاستشعار المتقدمة ضمن منصة متحركة واحدة، تسعى Moog Defense إلى تقديم حل متكامل يوفر حماية فعالة للقوات البرية ضد التهديدات الجوية الناشئة. وإذا نجحت المنظومة في إثبات قدراتها خلال الاختبارات والتقييمات العملياتية المقبلة، فقد تصبح أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق الدفاع الجوي قصير المدى ومكافحة الطائرات غير المأهولة خلال السنوات القادمة، في وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية إلى هذا النوع من القدرات بوتيرة غير مسبوقة.