أخبار: إسرائيل تطور بديلا محليا لـJDAM بعد قيود أمريكية على إمدادات القنابل الموجهة

تتجه إسرائيل إلى تطوير منظومة محلية تحاكي قدرات Joint Direct Attack Munition (JDAM) الأمريكية، في خطوة تعكس تحولا مهما في سياسة تسليح سلاح الجو الإسرائيلي، وتستهدف تقليل الاعتماد على الإمدادات الأمريكية في مجال الذخائر الجوية الدقيقة. ويجري تطوير البديل الإسرائيلي بالتعاون بين شركتي Rafael Advanced Defense Systems وElbit Systems، على أن تبدأ مرحلة الإنتاج المتسلسل للمنظومة الجديدة، وفقا لمعلومات نقلتها مصادر في الصناعة الدفاعية الإسرائيلية، خلال صيف عام 2027. ويأتي البرنامج في أعقاب تجربة إسرائيلية كشفت عن مخاطر الاعتماد الكامل على مورد خارجي للذخائر خلال حرب ممتدة، ولا سيما بعدما فرضت الولايات المتحدة قيودا على توريد بعض أنواع الذخائر إلى إسرائيل خلال عام 2024.

وتتمثل فكرة JDAM أساسا في تحويل القنابل الجوية التقليدية غير الموجهة إلى ذخائر دقيقة التوجيه، من خلال تزويدها بحزمة توجيه وملاحة تمكن القنبلة من الوصول إلى الإحداثيات المحددة بدقة أكبر من القنابل التقليدية. وقد أصبحت هذه التقنية واحدة من أكثر وسائل التسليح الجوي انتشارا في الترسانة الأمريكية، نظرا إلى قدرتها على الجمع بين بساطة القنبلة التقليدية ودقة التوجيه عبر إضافة مجموعة مخصصة بدلا من تطوير قنبلة جديدة بالكامل. ولهذا السبب، يمثل تطوير نسخة إسرائيلية محلية من هذا المفهوم خطوة تتجاوز مجرد إنتاج ذخيرة جديدة، لأنها تستهدف امتلاك إسرائيل قدرة مستقلة على تحويل أنواع متعددة من القنابل إلى أسلحة دقيقة دون أن تظل مرتبطة بصورة كاملة بمخزونات الولايات المتحدة أو قراراتها المتعلقة بالتصدير.

وبحسب المعلومات المتاحة، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرار تطوير البديل المحلي بعد أن واجهت في مايو 2024 رفضا أمريكيا جزئيا لتوريد بعض أنواع الذخائر، في وقت كانت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة تفرض طلبا مرتفعا على الذخائر الجوية. ورغم أن الولايات المتحدة ظلت المورد العسكري الأهم لإسرائيل، فإن تجربة القيود أظهرت أن ضخامة المساعدات العسكرية لا تعني بالضرورة ضمان تدفق جميع أنواع الأسلحة بالوتيرة نفسها في ظروف الحرب. ولذلك بدأت إسرائيل في إعادة تقييم بعض جوانب اعتمادها على الولايات المتحدة، مع إعطاء أولوية أكبر لقدرتها على إنتاج الذخائر ذات الاستهلاك المرتفع محليا.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في مفهوم الأمن الصناعي الإسرائيلي. فإسرائيل تمتلك منذ سنوات قاعدة متقدمة في مجال الأسلحة الدقيقة، وتنتج بالفعل منظومات جو-أرض متطورة، إلا أن الاعتماد على الولايات المتحدة ظل واضحا في عدد من فئات الذخائر والقنابل الجوية، ومن بينها القنابل التي تستخدم مع حزم JDAM. ومع اندلاع حرب طويلة وارتفاع معدلات استهلاك الذخائر، أصبح تأمين الإمدادات عاملا عملياتيا لا يقل أهمية عن جودة السلاح نفسه. ولذلك فإن تطوير بديل محلي لا يعني بالضرورة التخلي عن المنتجات الأمريكية، وإنما إنشاء مسار إضافي يضمن استمرار القدرة القتالية في حال تعرض خطوط الإمداد الخارجية لأي قيود أو تأخير.

وتملك Rafael Advanced Defense Systems وElbit Systems خبرة واسعة يمكن أن توفر قاعدة تقنية لهذا المشروع. وتعد Rafael من أبرز الشركات الإسرائيلية في مجال الأسلحة الدقيقة وأنظمة التوجيه، بينما تمتلك Elbit Systems خبرات كبيرة في الإلكترونيات العسكرية وأنظمة الملاحة والاستشعار والتحكم. ويمنح الجمع بين قدرات الشركتين المشروع فرصة للاستفادة من منظومة صناعية إسرائيلية متكاملة بدلا من الاعتماد على مورد واحد، كما ينسجم مع الاتجاه الإسرائيلي المتزايد إلى دمج الخبرات المتخصصة في برامج تسليح محلية يمكن تطويرها وإنتاجها بسرعة نسبية.

ولا تبدأ إسرائيل في هذا المجال من نقطة الصفر. فقد طورت Rafael منذ سنوات عائلة SPICE من الذخائر الجوية الدقيقة، وهي منظومات تعتمد على تقنيات توجيه متقدمة وتحول القنابل الجوية إلى أسلحة موجهة ذات قدرة عالية على إصابة الأهداف. ويعني ذلك أن تطوير بديل محلي لـJDAM يأتي فوق قاعدة صناعية وخبرة عملياتية موجودة بالفعل، وليس كمشروع منفصل عن قطاع الأسلحة الدقيقة الإسرائيلي. وتستخدم إسرائيل بالفعل ذخائر مزودة بحزم SPICE، ما يعكس امتلاكها خبرة متراكمة في تصميم وإنتاج الذخائر الجوية الدقيقة واستخدامها في العمليات.

لكن الفارق بين SPICE وJDAM مهم عند تحليل دوافع المشروع الجديد. فإسرائيل لا تبحث بالضرورة عن تكرار جميع خصائص منظوماتها المتقدمة، وإنما عن توفير بديل اقتصادي وعملي لفئة من الذخائر التي تعتمد على تحويل القنابل التقليدية إلى أسلحة دقيقة. وتكمن جاذبية هذا المفهوم في إمكانية استخدام مخزون قائم من القنابل وإضافة مجموعة توجيه إليها، بدلا من الحاجة إلى إنتاج ذخيرة متكاملة جديدة لكل مهمة. وهذا النموذج يسمح بإنتاج كميات كبيرة من الذخائر الدقيقة مع الاستفادة من البنية الصناعية الموجودة بالفعل.

وقد كانت الولايات المتحدة قد قدمت لإسرائيل كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. ووفقا للبيانات التي أوردها المصدر، أرسلت الولايات المتحدة إلى إسرائيل أكثر من 50 ألف طن من الأسلحة والذخائر خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى أغسطس 2024، بقيمة إجمالية بلغت نحو 13.4 مليار دولار، وشملت الإمدادات آلاف القنابل الجوية، بينها 14 ألف قنبلة من طراز Mk-84، و6,500 قنبلة جوية بوزن 250 كيلوجراما، و2,600 قنبلة GBU-39/B Small Diameter Bomb، إلى جانب قنابل أخرى مخصصة لاختراق التحصينات.

وتوضح هذه الأرقام حجم الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في دعم القدرة النيرانية الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه تفسر سبب تحول الاستقلال الصناعي إلى قضية أكثر إلحاحا لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فكلما ارتفع معدل استهلاك الذخائر، أصبح استمرار تدفقها من الخارج أكثر أهمية، وأصبح أي اضطراب في الإمدادات قابلا للتحول إلى مشكلة عملياتية. ومن هنا يمكن قراءة مشروع البديل الإسرائيلي لـJDAM باعتباره محاولة لبناء قدرة احتياطية تضمن استمرار الإنتاج حتى في ظل ظروف سياسية أو عسكرية استثنائية.

وتحمل هذه الخطوة أيضا دلالة تتعلق بمستقبل العلاقة الدفاعية بين إسرائيل والولايات المتحدة. فالتوجه نحو إنتاج بديل محلي لا يعني أن إسرائيل تتجه إلى فك ارتباطها بالصناعة الأمريكية، وهو أمر غير واقعي بالنظر إلى حجم التعاون العسكري بين البلدين واعتماد إسرائيل على منظومات أمريكية رئيسية، لكنه يعكس رغبة متزايدة في تقليل نقاط الضعف الناتجة عن الاعتماد على مصدر واحد في بعض فئات الذخائر. ومن منظور استراتيجي، فإن تنويع مصادر القدرة التسليحية لا يستهدف الحليف بقدر ما يستهدف ضمان حرية الحركة العملياتية في ظروف الحرب.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى سلاح الجو الإسرائيلي، الذي يعتمد على أسطول متقدم يضم مقاتلات F-35I Adir وF-15I وF-16I، وهي طائرات قادرة على حمل مجموعة واسعة من الذخائر الموجهة. وكلما اتسعت قدرة الصناعة المحلية على إنتاج الذخائر المتوافقة مع هذه المنصات، ازدادت قدرة إسرائيل على إدارة عمليات الإمداد والتسليح داخليا، خصوصا خلال النزاعات التي تتطلب طلعات جوية مكثفة لفترات طويلة.

كما أن تطوير بديل لـJDAM يمكن أن يمنح الصناعة الإسرائيلية مرونة في تكييف منظومة التوجيه مع احتياجات سلاح الجو الإسرائيلي. فالمنظومة المحلية يمكن تطويرها مستقبلا وفقا لمتطلبات محددة تتعلق بالملاحة أو مقاومة التشويش أو التوافق مع أنواع مختلفة من القنابل والمنصات الجوية، بما يسمح بإنشاء عائلة من الذخائر بدلا من منتج واحد ثابت المواصفات. وهذه المرونة تمثل إحدى المزايا المهمة التي تسعى إليها الدول التي تستثمر في تطوير قدراتها الذاتية في مجال الذخائر الذكية.

ومن ناحية أخرى، يبرز عامل الكلفة باعتباره أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت مفهوم JDAM ناجحا عالميا. فحزم التوجيه الخاصة بهذه الذخائر أقل كلفة من تطوير صاروخ جو-أرض جديد لكل مهمة، ما يسمح باستخدامها بأعداد كبيرة في عمليات القصف الدقيق. وتقدر المصادر تكلفة حزمة JDAM الأمريكية التقليدية، بحسب النسخة وظروف التوريد، بعشرات الآلاف من الدولارات، وهو ما ساهم في انتشارها باعتبارها وسيلة اقتصادية نسبيا لإضافة الدقة إلى القنابل التقليدية.

وهنا تحديدا يمكن أن تكتسب النسخة الإسرائيلية أهمية استراتيجية. فإذا تمكنت Rafael Advanced Defense Systems وElbit Systems من إنتاج بديل محلي بكميات كبيرة وتكلفة تنافسية، فقد تحصل إسرائيل على قدرة إنتاجية يمكن توسيعها بسرعة خلال الأزمات. كما يمكن أن يقلل الإنتاج المحلي من بعض المخاطر المرتبطة بالنقل والشحن والتخزين والإجراءات السياسية المصاحبة لاستيراد الذخائر من الخارج.

ويمثل تحديد صيف عام 2027 موعدا مستهدفا لبدء الإنتاج المتسلسل مؤشرا على أن المشروع يتجاوز مرحلة الفكرة النظرية. ومع ذلك، فإن التفاصيل الفنية الكاملة للمنظومة الجديدة، بما في ذلك اسمها الرسمي، ومدى توافقها مع أنواع القنابل المختلفة، وطريقة التوجيه والملاحة، ومدى مقاومتها للحرب الإلكترونية، لم يتم الإعلان عنها بصورة تفصيلية حتى الآن. ولذلك فإن المقارنة المباشرة بينها وبين مختلف إصدارات JDAM الأمريكية يجب أن تبقى محدودة إلى أن تظهر معلومات رسمية إضافية عن البرنامج.