تواصل تركيا توسيع قدراتها في مجال الحرب البحرية غير المأهولة، بعدما نجح زورق MARLIN السطحي غير المأهول في تنفيذ عملية زرع اللغم البحري الذكي MALAMAN بصورة ذاتية التشغيل، في اختبار يعكس توجهًا متزايدًا نحو استخدام المنصات البحرية غير المأهولة لتنفيذ المهام الخطرة وتقليل الحاجة إلى تعريض القطع البحرية المأهولة والأطقم البشرية للخطر.
ويمثل الاختبار خطوة مهمة في تطوير مفهوم التلغيم البحري الذكي، إذ يجمع بين منصة سطحية غير مأهولة قادرة على الوصول إلى منطقة العمليات وبين لغم بحري حديث يمكن نشره دون الحاجة إلى استخدام سفينة مأهولة لتنفيذ المهمة. ويمنح هذا النموذج القوات البحرية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات التلغيم في المناطق التي قد تكون معرضة للمراقبة أو الاستهداف، مع تقليل البصمة البشرية للعملية.
ويعد MARLIN أحد أبرز الزوارق السطحية غير المأهولة التي طورتها تركيا للمهام البحرية متعددة الاستخدامات، حيث صمم للعمل في بيئات بحرية مختلفة وتنفيذ مجموعة من المهام، تشمل الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية والعمليات القتالية، إلى جانب المهام التي يجري تطويرها حاليًا في مجال زرع الألغام البحرية.
وتكمن أهمية الاختبار الأخير في أن الزورق لم يكتفِ بحمل اللغم، وإنما نفذ عملية إسقاطه بصورة ذاتية، ما يعني أن المنصة يمكن أن تنقل مهمة التلغيم من كونها عملية تعتمد على طاقم بشري داخل سفينة حربية إلى مهمة يمكن تنفيذها بواسطة نظام غير مأهول يعمل من مسافة آمنة نسبيًا.
ويحمل هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى مفهوم الحرب البحرية الموزعة، الذي يعتمد على نشر عدد أكبر من المنصات الصغيرة وغير المأهولة بدل الاعتماد بصورة كاملة على عدد محدود من القطع البحرية الكبيرة. وفي حالة التلغيم البحري، يمكن لمجموعة من الزوارق غير المأهولة تنفيذ عمليات متزامنة في مناطق مختلفة، ما يزيد من صعوبة اكتشافها والتعامل معها.
ويعتمد هذا المفهوم على فصل المنصة الحاملة للغم عن الطاقم البشري، وهو ما يغير المعادلة العملياتية التقليدية. فالسفينة المأهولة التي تنفذ عملية تلغيم تحتاج إلى الاقتراب من المنطقة المستهدفة، وهو ما قد يعرضها لخطر الألغام أو الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو أنظمة المراقبة البحرية. أما الزورق غير المأهول فيمكن التضحية به في ظروف معينة إذا كانت قيمة المهمة أعلى من قيمة المنصة نفسها.
ويكتسب MALAMAN أهمية خاصة ضمن هذا النموذج، إذ يمثل لغمًا بحريًا ذكيًا طورته تركيا لتوفير قدرات أكثر تطورًا مقارنة بالألغام التقليدية. فالجيل الجديد من الألغام البحرية لا يعتمد بالضرورة على مجرد التفعيل عند ملامسة الهدف، وإنما يمكن أن يتضمن تقنيات استشعار ومعالجة تمكنه من التمييز بين الأهداف وتحديد الظروف المناسبة للتفعيل.
وتوفر هذه القدرات إمكانية استخدام الألغام بطريقة أكثر دقة، بما يسمح ببناء حقول ألغام بحرية أكثر تعقيدًا من الناحية العملياتية، مع إمكانية التحكم في طريقة عملها وفق السيناريو المطلوب.
ومن الناحية العسكرية، تظل الألغام البحرية من أكثر الأسلحة تأثيرًا في التحكم بالممرات البحرية، رغم قدم هذا النوع من الأسلحة. فاللغم لا يحتاج إلى نظام دفع أو رادار معقد ليشكل تهديدًا، ويمكن وضعه في مناطق استراتيجية لإجبار القطع البحرية على تغيير مساراتها أو إبطاء حركتها أو تخصيص موارد كبيرة لاكتشافه وإزالته.
لكن دمج الألغام الذكية مع المنصات غير المأهولة يرفع القيمة العملياتية لهذا السلاح، لأن الزورق غير المأهول يمكنه نقل اللغم إلى مناطق أكثر تقدمًا دون المخاطرة بسفينة مأهولة.
ويشير الاختبار التركي كذلك إلى تطور مفهوم التلغيم البحري عن بُعد، حيث يمكن فصل عملية نقل اللغم وزرعه عن وجود القوات البحرية الرئيسية في المنطقة. ويمكن نظريًا أن تنطلق الزوارق غير المأهولة من سفن أم أو من قواعد ساحلية، ثم تنتقل بصورة مستقلة إلى مناطق محددة لتنفيذ المهمة والعودة أو الانتقال إلى مهمة أخرى. وهذا يفتح المجال أمام استخدام الزوارق غير المأهولة في مهام تتطلب الاقتراب من مناطق عالية الخطورة، بما في ذلك الممرات البحرية الضيقة والمناطق القريبة من السواحل والموانئ والمضائق.
وتشير هذه التطورات إلى أن تركيا لا تتعامل مع الزوارق غير المأهولة باعتبارها مجرد بديل منخفض التكلفة للسفن التقليدية، وإنما باعتبارها أدوات يمكن أن تغير طريقة تنفيذ بعض المهام البحرية. ويظهر ذلك بوضوح في الجمع بين MARLIN وMALAMAN، حيث يتحول الزورق من مجرد منصة استطلاع أو مراقبة إلى عنصر قادر على تنفيذ تأثير مباشر في البيئة البحرية من خلال زرع الألغام.