اختبرت تركيا بنجاح قنبلة TOLUN-P الموجهة خارقة التحصينات، التي طورتها شركة ASELSAN، بعد إطلاقها من الطائرة القتالية غير المأهولة Bayraktar AKINCI وتحقيق إصابة مباشرة للهدف خلال تجربة أجريت وأُعلن عنها في 7 أغسطس 2026. وتمثل التجربة خطوة مهمة في تطوير قدرات الضربات الدقيقة التركية بعيدة المدى، لأنها تثبت تكامل ذخيرة محلية مصممة لمهاجمة الأهداف المحمية مع منصة جوية غير مأهولة ذات قدرة عالية على البقاء والتحليق لفترات طويلة، بما يعزز قدرة تركيا على بناء سلسلة متكاملة للضربات الجوية الدقيقة اعتمادًا بدرجة متزايدة على تقنياتها المحلية.
وأعلنت ASELSAN أن TOLUN-P أصبحت جاهزة للمهام المرتبطة بالضربات الدقيقة ضد الأهداف المحصنة، بما في ذلك الأهداف المدرعة والمنشآت المحمية بالخرسانة المسلحة. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة السلاح نفسه، إذ لا ينتمي TOLUN-P إلى فئة القنابل التقليدية التي تعتمد أساسًا على قوة الانفجار، وإنما صُمم باعتباره ذخيرة موجهة مخصصة لاختراق التحصينات وتحقيق التأثير داخل الهدف بعد اختراق بنيته الواقية. ويبلغ وزن الذخيرة الكلي نحو 136 كيلوجرامًا، بينما يبلغ وزن الرأس الحربي الخارق للتحصينات 105 كيلوجرامات، مع طول يبلغ نحو 1.8 متر وقطر 164 ملم.
وتشير ASELSAN إلى أن الرأس الحربي في TOLUN-P قادر على اختراق ما يصل إلى متر واحد من الخرسانة المسلحة، مع استخدام صمام تفجير إلكتروني قابل للبرمجة يمكن ضبطه لتأخير التفجير بعد اختراق البنية المستهدفة. وهذه الخاصية تميز الذخيرة عن القنابل المصممة للتأثير السطحي، لأنها تستهدف تحقيق التأثير بعد تجاوز طبقة الحماية الخارجية للهدف. وتظل قدرة الاختراق المعلنة رقمًا صادرًا عن الشركة المصنعة، كما هو الحال مع بقية المواصفات المنشورة، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها قدرة معلنة وليست معيارًا مطلقًا يمكن تعميمه على جميع أنواع المنشآت والمواد الخرسانية.
وتجمع TOLUN-P بين نظام ملاحة بالقصور الذاتي ونظام تحديد المواقع العالمي INS/GPS، إلى جانب منظومة مقاومة للتشويش تعتمد على هوائي CRPA رباعي القنوات وبرمجيات مصممة لمقاومة محاولات التضليل الملاحي. كما توفر الذخيرة إمكانية تتبع نقاط مسار محددة وإعادة تحديد الهدف أثناء مرحلة التحليق، إضافة إلى إمكانية اختيار زاوية الاصطدام مسبقًا. وتمنح هذه الخصائص السلاح قدرة أكبر على العمل في بيئة كهرومغناطيسية معقدة مقارنة بذخيرة تعتمد على إشارة ملاحة غير محمية، وإن كانت تقنيات مقاومة التشويش والتضليل لا تعني أن السلاح يصبح محصنًا بالكامل أمام الحرب الإلكترونية.
وتحدد ASELSAN دقة السلاح بأقل من 10 أمتار وفق معيار CEP، بينما أظهرت التجربة الأخيرة إصابة مباشرة للهدف. ومن المهم هنا التمييز بين الأمرين، إذ إن إصابة واحدة في اختبار ميداني لا تعني أن الدقة الإحصائية الفعلية للسلاح أصبحت مساوية لصفر متر، وإنما تؤكد نجاح عملية الإطلاق والتوجيه والإصابة في ظروف الاختبار المحددة. وتكشف هذه النقطة عن طبيعة التطور الذي تعمل عليه تركيا، حيث لا يقتصر تطوير الذخيرة على تصنيع رأس حربي خارق للتحصينات، وإنما يشمل كذلك منظومة الملاحة والتوجيه والحماية من الحرب الإلكترونية والتكامل مع منصات الإطلاق.
وتتضاعف القيمة العملياتية لـ TOLUN-P عند دمجها مع منظومة الحمل الذكية SADAK-4T، التي صممت لحمل أربع ذخائر من هذا النوع وإطلاقها خلال الطلعة الجوية الواحدة ضد هدف واحد أو عدة أهداف وفق سيناريو المهمة. كما توجد تكوينات أخرى ضمن عائلة SADAK، من بينها SADAK-2T لحمل ذخيرتين، إضافة إلى تكوينات مخصصة للمنصات المختلفة. ويعني ذلك أن تقييم قدرة TOLUN-P لا ينبغي أن يقتصر على مدى أو قوة تأثير الذخيرة المفردة، وإنما يجب النظر أيضًا إلى عدد الذخائر الدقيقة التي تستطيع المنصة الجوية حملها وإطلاقها بصورة مستقلة خلال المهمة الواحدة.
وتمنح الأجنحة القابلة للطي في TOLUN-P الذخيرة قدرة على التحليق الانزلاقي بعد إطلاقها، ما يسمح باستخدام الارتفاع والطاقة الحركية للطائرة لتوسيع المسافة بين منصة الإطلاق والهدف. وتنشر ASELSAN مدى أقصى يصل إلى 55 ميلًا بحريًا، أي نحو 102 كيلومتر، عند الإطلاق من المقاتلات، مقابل نحو 31 ميلًا بحريًا، أي قرابة 57 كيلومترًا، عند الإطلاق من الطائرات غير المأهولة، مع اختلاف ظروف الإطلاق والارتفاع والمنصة. ويكشف هذا الاختلاف أهمية عدم التعامل مع مدى الذخائر الانزلاقية باعتباره رقمًا ثابتًا مستقلًا عن منصة الإطلاق، لأن الأداء يتأثر مباشرة بظروف الإطلاق والارتفاع وسرعة الطائرة ومسار المهمة.
وتشكل عملية دمج TOLUN-P مع Bayraktar AKINCI جانبًا مهمًا من التطور التركي، لأن منصة غير مأهولة ذات قدرة على التحليق لفترات طويلة أصبحت قادرة على حمل ذخيرة متخصصة لمهاجمة أهداف محمية، وهو ما يوسع نطاق المهام التي يمكن أن تؤديها الطائرات القتالية غير المأهولة. ولم تعد وظيفة الطائرات من هذه الفئة مقتصرة على الاستطلاع أو حمل الذخائر الخفيفة، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة ضربات دقيقة يمكن أن تشمل أهدافًا مدرعة أو منشآت محمية، مع الاستفادة من قدرة المنصة على تنفيذ المهام دون وجود طيار على متنها.
لكن الأهمية الأوسع تكمن في أن TOLUN-P ليست مصممة للعمل مع AKINCI فقط. وتدرج ASELSAN عددًا من المنصات التي يمكنها استخدام الذخيرة، من بينها F-16 وAKINCI وANKA-III وBayraktar TB3 وKIZILELMA، مع إمكانية إطلاقها من حجرة أسلحة داخلية في بعض المنصات. ويعكس ذلك تحولًا في فلسفة تصميم الذخائر التركية من تطوير سلاح مرتبط بمنصة واحدة إلى بناء عائلة من الذخائر يمكن دمجها مع مجموعة متزايدة من الطائرات المأهولة وغير المأهولة.
وتظهر هذه الفلسفة بوضوح أكبر عند النظر إلى عائلة TOLUN نفسها، التي تتوسع لتشمل تكوينات مختلفة مخصصة لاحتياجات متنوعة. وتشمل العائلة TOLUN-L المزودة بباحث ليزري، وTOLUN-EW المخصصة لحمل حمولة للحرب الإلكترونية، وTOLUN-F، وTOLUN-IIR المزودة بباحث يعمل بالأشعة تحت الحمراء، إلى جانب TOLUN-S المخصصة للإطلاق من المنصات الأرضية. وبالتالي فإن المشروع يتجه تدريجيًا من مجرد تطوير ذخيرة جوية واحدة إلى إنشاء عائلة من التأثيرات الدقيقة التي يمكن توزيعها على منصات ومهام مختلفة.
وهنا تبرز القيمة الحقيقية للبرنامج بالنسبة إلى الصناعة الدفاعية التركية. فامتلاك تركيا للطائرة Bayraktar AKINCI لا يمثل في حد ذاته استقلالًا في مجال القوة الجوية إذا ظلت الذخائر الرئيسية تعتمد على موردين أجانب. والعكس صحيح أيضًا، إذ إن تطوير ذخيرة دقيقة متقدمة لا يحقق قيمة كاملة إذا لم تكن هناك منصات قادرة على حملها وإطلاقها ودمجها ضمن أنظمة القيادة والسيطرة. أما تكامل ASELSAN وBaykar ومنظومات الطيران القتالي التركية الأخرى، فيخلق سلسلة محلية أكثر ترابطًا تبدأ من تطوير المنصة الجوية وتمتد إلى أنظمة الاستشعار والملاحة والاتصالات وحوامل الأسلحة والذخائر نفسها.
ومن الناحية الاستراتيجية، يوفر هذا النموذج لتركيا درجة أكبر من التحكم في دورة تطوير القوة الجوية، لأن تحديث المنصة والذخيرة وأنظمة الحمل يمكن أن يتم ضمن منظومة صناعية وطنية مترابطة، بدل الاعتماد الكامل على توافقات الموردين الأجانب. وتصبح هذه الميزة أكثر أهمية في أوقات الأزمات، عندما يمكن للقيود السياسية أو التصديرية أن تؤثر في قدرة الدول على الحصول على الذخائر أو تحديثها. ولذلك فإن تطوير TOLUN-P لا يمثل مجرد إضافة ذخيرة جديدة إلى المخزون التركي، وإنما جزءًا من مسار أوسع نحو تقليل الاعتماد الخارجي في مجال الضربات الجوية الدقيقة.
وتزداد أهمية ذلك في حالة F-16، التي تمثل جزءًا أساسيًا من القوة الجوية التركية. فإمكانية دمج ذخيرة محلية متقدمة مع مقاتلات موجودة بالفعل تمنح أنقرة وسيلة لزيادة القيمة القتالية لأسطولها الحالي دون انتظار دخول جميع منصات الجيل الجديد إلى الخدمة. وفي الوقت نفسه، فإن إمكانية دمج TOLUN-P مع ANKA-III وKIZILELMA وBayraktar TB3 تعني أن الذخيرة يمكن أن تظل جزءًا من بنية الطيران القتالي التركي مع انتقالها تدريجيًا من الطائرات التقليدية إلى منصات غير مأهولة أكثر تطورًا.
ويمثل نجاح AKINCI في إطلاق TOLUN-P أيضًا مؤشرًا على اتساع الدور الذي يمكن أن تلعبه الطائرات القتالية غير المأهولة في العمليات الجوية المستقبلية. فبدل استخدام الطائرة غير المأهولة باعتبارها منصة رخيصة لتنفيذ مهام محدودة، يمكن دمجها ضمن شبكة ضربات دقيقة تحمل أنواعًا مختلفة من الذخائر، وتعمل إلى جانب المقاتلات المأهولة. ويمنح هذا المفهوم القوات الجوية إمكانية توزيع التأثيرات القتالية على عدد أكبر من المنصات، مع تقليل الاعتماد على المقاتلات المأهولة لتنفيذ كل مهام الضربات الأرضية.
كما أن هذه التطورات تتقاطع مع التحول العالمي نحو مفهوم العمل المشترك بين الأنظمة المأهولة وغير المأهولة، حيث تتجه القوى العسكرية إلى استخدام الطائرات غير المأهولة باعتبارها عناصر متكاملة في القوة الجوية وليس مجرد منصات مستقلة. وفي الحالة التركية، يمنح امتلاك منظومة مثل TOLUN-P قدرة على ربط هذه المنصات بمجموعة مشتركة من الذخائر الدقيقة، وهو ما يمكن أن يسهل تطوير عقيدة تشغيلية تعتمد على تنوع المنصات مع توحيد جزء من بنية الأسلحة والاتصالات والقيادة والسيطرة.
ويمكن وضع TOLUN-P في الفئة نفسها من حيث فلسفة التصميم مع ذخائر جوية مدمجة وخفيفة نسبيًا مثل GBU-39/B Small Diameter Bomb الأمريكية، من دون اعتبارهما سلاحين متطابقين أو الاستنتاج بأن أحدهما يتفوق على الآخر بصورة مباشرة. وتختلف الذخائر في تاريخ التطوير وظروف الاختبار ومتطلبات الاعتماد والتشغيل، كما أن GBU-39/B تمتلك سجلًا تشغيليًا وإنتاجيًا يمتد لأكثر من عقدين. لكن أهمية المقارنة بالنسبة إلى تركيا تكمن في إثبات أن صناعتها الدفاعية أصبحت قادرة على تطوير ذخيرة مدمجة تجمع بين التوجيه الدقيق والقدرة على اختراق الأهداف المحصنة والحمل المتعدد ومقاومة التشويش.
ولا تقتصر أهمية TOLUN-P على إمكانية تصدير الذخيرة مستقبلًا، وإنما على قدرتها على تعزيز صادرات الطائرات التركية نفسها. فالدولة التي تشتري منصة مثل AKINCI أو غيرها من الطائرات التركية يمكن أن تجد أمامها منظومة متكاملة من الذخائر المحلية المصممة للعمل معها، ما يخلق ارتباطًا طويل الأمد بين المستخدم والمنظومة الصناعية التركية. وهذا النوع من التكامل يمثل أحد عناصر القوة الرئيسية في سوق الدفاع العالمي، لأن المنافسة لا تدور فقط حول سعر المنصة، وإنما حول حجم النظام البيئي الذي يمكن للمورد توفيره للمستخدم بعد دخول السلاح الخدمة.