أخبار: ألمانيا تختبر زورقاً مسيّراً يُطلق من أنابيب طوربيد الغواصات لعمليات الاستطلاع والضربات البحرية المستقبلية

نجحت شركتا GABLER وFLANQ الألمانيتان في اختبار زورق مسيّر غير مأهول من طراز Ranger يمكن إطلاقه مباشرة من أنابيب الطوربيد القياسية للغواصات، في خطوة قد تغير مستقبل العمليات البحرية غير المأهولة وتمنح الغواصات قدرات استطلاع وضربات بعيدة عن المخاطر المباشرة.

أحرزت الصناعات البحرية الألمانية تقدماً مهماً في مجال الأنظمة غير المأهولة بعد نجاح شركتي GABLER وFLANQ في استكمال الاختبارات البحرية لمنصة Ranger، وهي زورق مسيّر غير مأهول من فئة Torpedo-Tube-Launched Uncrewed Surface Vessel (TTL USV) صُمم ليُطلق مباشرة من أنابيب الطوربيد القياسية المستخدمة في الغواصات. وتمثل هذه التجارب خطوة مهمة نحو إدخال مفهوم عملياتي جديد يسمح للغواصات بنشر منصات مستقلة للاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات دون الحاجة إلى كشف موقعها أو تعريضها للخطر.

وأعلنت الشركتان أن اختبارات Sea Acceptance Test (SAT) التي أُجريت خلال يونيو 2026 أكدت صلاحية المنظومة للعمل في البيئة البحرية الحقيقية، ونجحت في التحقق من التقنيات الرئيسية التي يقوم عليها المشروع. ويُنظر إلى هذا الإنجاز باعتباره مرحلة انتقالية من إثبات المفهوم إلى الاقتراب من تطوير قدرات عملياتية يمكن تقديمها مستقبلاً للقوات البحرية المهتمة بهذا النوع من الأنظمة غير المأهولة.

وتعتمد منصة Ranger على مفهوم يزداد اهتمام البحريات العالمية به، وهو إطلاق الأنظمة غير المأهولة من منصات مأهولة عالية القيمة مثل الغواصات. ويبلغ طول الزورق أكثر من 4.5 أمتار، وقد صُمم بحيث يمكن إدخاله داخل أنبوب طوربيد قياسي بقطر 21 بوصة (533 ملم)، وهو المعيار المستخدم في غالبية الغواصات الغربية الحديثة. وبعد الإطلاق من تحت سطح البحر، يصعد الزورق تلقائياً إلى السطح ليبدأ تنفيذ مهامه بصورة مستقلة.

وتضم المنصة مجموعة من الخصائص الهندسية التي تسمح بتخزينها داخل الغواصة وإطلاقها بأمان، من بينها صاري استشعار قابل للطي، وزعنفة سفلية قابلة للانكماش، بالإضافة إلى حجرة حمولة يمكن تهيئتها وفق متطلبات المهمة. كما يعتمد الزورق على نظام دفع كهربائي يمنحه بصمة صوتية منخفضة وقدرة على تنفيذ مهام طويلة نسبياً في بيئات بحرية معقدة.

ووفقاً للمعلومات التي كشفتها الشركتان، صُممت Ranger أساساً لتنفيذ مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ISR بصورة سرية، ما يمنح الغواصات قدرة على مراقبة المناطق الساحلية أو الممرات البحرية أو تشكيلات السفن المعادية دون الحاجة إلى الاقتراب المباشر من منطقة الخطر. كما يمكن للمنصة توسيع نطاق الوعي الميداني لقادة الغواصات من خلال توفير بيانات آنية عن البيئة البحرية والأهداف المحتملة.

ولا يقتصر المشروع على المهام الاستطلاعية فقط، إذ كشفت GABLER عن تطوير نسخة هجومية تحمل اسم Strike تعتمد على المفهوم نفسه، ما يشير إلى توجه مستقبلي نحو استخدام هذه المنصات كذخائر بحرية انتحارية أو وسائل هجوم منخفضة التكلفة يمكن نشرها من الغواصات ضد أهداف بحرية وساحلية مختارة. ويمثل هذا التوجه امتداداً للثورة التي تشهدها الحروب البحرية مع الانتشار المتزايد للمنصات غير المأهولة في مختلف المجالات الجوية والبحرية وتحت سطح البحر.

ويحمل المشروع أهمية خاصة للبحرية الألمانية وللقوات البحرية الأوروبية عموماً، إذ يوفر وسيلة جديدة لزيادة فعالية الغواصات دون الحاجة إلى تطوير فئات جديدة من السفن أو الغواصات. فبدلاً من المخاطرة بمنصة استراتيجية باهظة الثمن داخل مناطق مراقبة معادية، يمكن إطلاق زورق مستقل لتنفيذ المهمة ثم نقل المعلومات إلى منصة الإطلاق أو إلى شبكة القيادة والسيطرة البحرية. كما يمنح هذا المفهوم القادة العسكريين مرونة أكبر في إدارة العمليات البحرية المعقدة داخل المناطق المتنازع عليها.

يعكس Ranger توجهاً عالمياً نحو دمج الأنظمة غير المأهولة مع الغواصات الحديثة. فقد أصبحت الغواصات تُعامل بشكل متزايد باعتبارها منصات لإطلاق مجموعة متنوعة من الأنظمة المستقلة، وليس فقط الطوربيدات والصواريخ. ويمنح ذلك القوات البحرية قدرة على تنفيذ مهام متعددة في وقت واحد تشمل الاستطلاع وجمع المعلومات والاستهداف والحماية البحرية، مع الحفاظ على سرية الغواصة وقدرتها على البقاء.

يمثل المشروع فرصة مهمة للصناعات الدفاعية الألمانية للدخول بقوة إلى سوق الأنظمة البحرية غير المأهولة، الذي يشهد نمواً سريعاً على مستوى العالم. فالتعاون بين GABLER المتخصصة في أنظمة الغواصات وFLANQ المتخصصة في البرمجيات البحرية والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي يجمع بين خبرات هندسية وتشغيلية متكاملة، ما يعزز فرص تطوير منتجات قابلة للتصدير إلى أسواق عالمية تبحث عن حلول بحرية مبتكرة ومنخفضة التكلفة نسبياً.

يكشف نجاح اختبار Ranger عن تحول متزايد في طبيعة الحرب البحرية الحديثة، حيث لم يعد التفوق مرتبطاً فقط بعدد السفن أو الغواصات، بل بقدرة القوات البحرية على نشر شبكات من المنصات المستقلة التي تعمل بصورة متزامنة لجمع المعلومات وتنفيذ المهام القتالية. وإذا نجح المشروع في الانتقال إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل العسكري، فقد تصبح الغواصات خلال السنوات المقبلة قادرة على إطلاق أسراب كاملة من الأنظمة غير المأهولة من تحت سطح البحر، ما سيغير مفاهيم الاستطلاع البحري والردع والضربات الدقيقة في البيئات البحرية عالية التهديد، ويمنح ألمانيا وأوروبا موقعاً متقدماً في أحد أكثر قطاعات الصناعات الدفاعية البحرية نمواً خلال العقد المقبل.