تواصل إندونيسيا تطوير قدراتها في مجال الأنظمة البحرية غير المأهولة، مع تطوير منصة سطحية غير مأهولة (USV) مخصصة لتنفيذ الهجمات أحادية الاتجاه، في مشروع تقوده شركة بناء السفن الحكومية PT PAL Indonesia بهدف تعزيز قدرات البحرية الإندونيسية في تنفيذ الضربات البحرية باستخدام منصات منخفضة التكلفة وعالية السرعة.
وتستهدف المنصة الوصول إلى سرعة تصل إلى 55 عقدة، أي نحو 102 كيلومتر في الساعة، مع القدرة على حمل رأس حربي يصل وزنه إلى 150 كيلوجرامًا. كما تتضمن المنصة نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتنفيذ التعرف الآني والمستقل على الأهداف الصديقة والمعادية، بما يقلل اعتمادها على المشغل البشري خلال مراحل تنفيذ المهمة.
وتتيح المنصة إمكانية تشغيلها من خلال مركز التحكم في الغواصات الذاتية أو بواسطة وحدة تحكم محمولة، مع توفير نمطين للتشغيل، الأول من خلال التحكم المباشر عن بُعد، والثاني عبر الملاحة وفق مسارات مخطط لها مسبقًا. ويمنح هذا التصميم البحرية الإندونيسية مرونة في تشغيل المنصة بحسب طبيعة المهمة والبيئة العملياتية.
وتستند المنصة إلى مفهوم الهجوم أحادي الاتجاه، إذ صممت لتنفيذ مهمة هجومية تنتهي بالوصول إلى الهدف والاصطدام به. ويضعها ذلك ضمن فئة مختلفة عن المنصات السطحية غير المأهولة المخصصة للاستطلاع أو المراقبة أو النقل، حيث تركز هذه المنصة بصورة أساسية على توفير قدرة هجومية يمكن نشرها دون تعريض طاقم بشري للخطر.
وتولي PT PAL أهمية خاصة لعنصر السرعة في تصميم المنصة، إذ إن الوصول إلى 55 عقدة يمنحها قدرة عالية على الاقتراب من الهدف خلال فترة زمنية قصيرة، كما يمكن أن يجعل اعتراضها خلال المرحلة النهائية من الهجوم أكثر صعوبة مقارنة بمنصات سطحية أبطأ.
وفي المقابل، تمثل الحمولة الحربية البالغة 150 كجم عنصرًا رئيسيًا في القيمة القتالية للمنصة، إذ تمنحها قدرة على تنفيذ هجوم مباشر ضد أهداف بحرية أو ساحلية، وفق طبيعة المهمة والتجهيزات المستخدمة. ولم تكشف الشركة عن جميع التفاصيل المتعلقة بنوع الرأس الحربي أو منظومة التفجير، لذلك تظل المواصفات المعلنة مقتصرة على الوزن المستهدف للحمولة.
ويعد دمج الذكاء الاصطناعي أحد أبرز جوانب المشروع، إذ تستخدم المنصة قدرات التعرف الآني على الأهداف للتمييز بين الأهداف الصديقة والمعادية. ويختلف ذلك عن مجرد استخدام نظام ملاحة ذاتي، لأن المنصة لا تكتفي باتباع مسار محدد، وإنما يجري تطويرها لتتمكن من تحليل ما ترصده وتحديد طبيعة الهدف خلال تنفيذ المهمة.
وتوفر هذه القدرة مستوى إضافيًا من الاستقلالية، خصوصًا في حال فقدان الاتصال المستمر مع المشغل. وفي هذه الحالة يمكن للمنصة تنفيذ المسار المحدد مسبقًا، مع الاحتفاظ بقدراتها الذاتية في التعرف على الأهداف وفق البرمجيات والأنظمة التي ستعتمد عليها في نسختها النهائية.
وأظهرت إندونيسيا المنصة خلال اختبار بحري نفذته البحرية الإندونيسية، حيث جرى إطلاقها من السفينة متعددة المهام KRI Soeharso لتنفيذ اختبار ضد هدف ثابت. وجاء الاختبار ضمن تدريب عسكري متكامل شاركت فيه مجموعة من الأنظمة التابعة للقوات المسلحة الإندونيسية، من بينها صواريخ C-705 والدبابات ومنظومات المدفعية الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي ومدفعية الهاوتزر.
ويكتسب إطلاق المنصة من سفينة متعددة المهام أهمية عملياتية، لأنه يوضح إمكانية استخدام السفن المأهولة باعتبارها منصات لنشر الأنظمة البحرية غير المأهولة، بدل حصر تشغيل هذه المنصات في القواعد الساحلية. ويمكن لهذا الأسلوب أن يزيد مرونة الانتشار ويتيح نقل المنصة إلى مناطق عمليات بعيدة قبل إطلاقها.
وتنسجم هذه القدرة مع طبيعة البيئة الجغرافية لإندونيسيا، التي تتكون من آلاف الجزر وتمتلك نطاقًا بحريًا واسعًا وممرات بحرية استراتيجية. ولذلك يمكن للأنظمة السطحية غير المأهولة أن توفر وسيلة إضافية للمراقبة وحماية الحدود البحرية وتنفيذ مهام هجومية في المناطق التي يصعب فيها استخدام السفن المأهولة بصورة مستمرة.
ولا تقتصر الاستخدامات المخططة للمنصة على الدور الهجومي، إذ تشير المعلومات المتاحة إلى إمكانية استخدامها مستقبلًا في مهام أمن الحدود البحرية ومواجهة أنشطة التهريب، وهو ما يفتح المجال أمام توظيف المنصة في مهام غير قتالية من خلال تغيير البرمجيات أو الحمولة والمستشعرات المستخدمة.
وتصف PT PAL المنصة بأنها نظام سطحي غير مأهول صغير وعالي السرعة، يتميز بقدرات قتالية وفترة تطوير قصيرة نسبيًا وإمكانات إنتاج منخفضة التكلفة، وترى الشركة أن المشروع يمكن أن يدعم قدرات البحرية الإندونيسية في الحرب غير المتكافئة.
ويعكس هذا التوجه تحولًا متزايدًا في تصميم القدرات البحرية، إذ لم تعد السفن القتالية التقليدية هي الوسيلة الوحيدة لتنفيذ الضربات في البيئة البحرية. فالمنصات السطحية غير المأهولة يمكن أن توفر قدرة هجومية إضافية بأعداد أكبر، مع تقليل المخاطر البشرية وخفض تكلفة المنصة مقارنة بالسفن القتالية المأهولة.
وتزداد أهمية هذا المفهوم مع التطور الذي تشهده عمليات استخدام الأنظمة غير المأهولة في النزاعات الحديثة. فقد أصبحت المنصات الصغيرة قادرة على تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق سفنًا أو طائرات مأهولة، خصوصًا عندما تكون المهمة محددة ولا تتطلب بقاء المنصة بعد تنفيذ الهجوم.
وفي حالة المنصة الإندونيسية، يجتمع هذا المفهوم مع سرعة مرتفعة وحمولة حربية كبيرة نسبيًا وقدرات ذاتية على الملاحة والتعرف على الأهداف، ما يمنحها مجموعة من الخصائص التي يمكن أن تجعلها مناسبة للعمليات الساحلية والبحرية في البيئات عالية المخاطر.
كما أن اعتمادها على مركز تحكم في الغواصات الذاتية يشير إلى توجه نحو تطوير بنية قيادة وتحكم يمكن استخدامها مع أكثر من نوع من الأنظمة غير المأهولة. وهذا يمكن أن يسهل مستقبلًا دمج المنصات السطحية مع الأنظمة تحت سطح البحر ضمن شبكة تشغيل واحدة، بدل بناء منظومات تحكم منفصلة لكل فئة.
ويظل عنصر الاتصالات عاملًا حاسمًا في هذه المنظومة. فالتحكم المباشر يتطلب الحفاظ على رابط بين المنصة والمشغل، بينما توفر الملاحة وفق مسار مبرمج مسبقًا قدرة أكبر على الاستمرار في تنفيذ المهمة عند فقدان الاتصال. لكن الانتقال إلى بيئة بحرية متنازع عليها سيضع هذه الأنظمة أمام تحديات التشويش والخداع الإلكتروني ومحاولات تعطيل الملاحة والاتصالات.
ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي والاستقلالية في تصميم المنصة، لأن زيادة قدرتها على تنفيذ المهمة بصورة مستقلة يمكن أن تقلل اعتمادها على الاتصال المستمر مع مركز القيادة. ومع ذلك، فإن مستوى الاستقلالية الفعلي الذي ستصل إليه المنصة سيعتمد على البرمجيات والمستشعرات وقواعد الاشتباك التي ستعتمدها البحرية الإندونيسية عند إدخال النظام إلى الخدمة.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن المنصة لم تدخل الخدمة العملياتية بعد، إذ من المتوقع أن يتم ذلك بعد استكمال التنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة ورؤساء أفرع الجيش والبحرية والقوات الجوية الإندونيسية.
ويعني ذلك أن المشروع لا يزال في مرحلة الانتقال من الاختبارات إلى التقييم العملياتي، وأن الأرقام الحالية، مثل سرعة 55 عقدة وحمولة 150 كجم، تمثل المواصفات المعلنة للمنصة في صورتها المطورة، بينما يمكن أن تخضع بعض التفاصيل لتعديلات قبل الإنتاج التشغيلي.
وتأتي المنصة ضمن توجه أوسع لدى إندونيسيا نحو تطوير قدرات دفاعية محلية في مجال الأنظمة غير المأهولة. ويمنح تطويرها محليًا البحرية الإندونيسية قدرًا أكبر من التحكم في تصميم المنظومة وتعديلها مستقبلًا وفق متطلبات العمليات، بدل الاعتماد الكامل على حلول مستوردة.
كما يمكن أن تستفيد الصناعة البحرية الإندونيسية من المشروع في بناء خبرات إضافية في مجالات التحكم الذاتي والذكاء الاصطناعي والاستشعار والاتصالات البحرية، وهي تقنيات يمكن نقلها لاحقًا إلى برامج أخرى للأنظمة غير المأهولة.
وتبرز كذلك أهمية قابلية إنتاج المنصة بأعداد كبيرة. فالقيمة العسكرية للأنظمة الهجومية غير المأهولة لا تعتمد فقط على مواصفات منصة واحدة، وإنما على إمكانية إنتاج عدد كافٍ منها وتشغيلها ضمن مفهوم عملياتي يسمح باستخدامها بصورة متزامنة أو على دفعات. ولذلك فإن قدرة PT PAL على الحفاظ على تكلفة إنتاج منخفضة ستكون عاملًا مهمًا في تحديد جدوى المشروع على المدى الطويل.
ويعكس الاختبار الذي أُجري باستخدام KRI Soeharso أيضًا اتجاهًا نحو دمج الأنظمة غير المأهولة في العمليات البحرية الفعلية، بدل اقتصارها على التجارب التقنية. فقد جرى اختبار المنصة في إطار تدريب متكامل شمل صواريخ وأنظمة برية ودفاع جوي ومدفعية، ما يضعها ضمن تصور أوسع للعمليات المشتركة بين أفرع القوات المسلحة.
وبالنسبة إلى البحرية الإندونيسية، يمكن أن توفر المنصة مستقبلًا خيارًا منخفض المخاطر لتنفيذ مهام هجومية في المناطق التي قد يكون إرسال سفينة مأهولة إليها مكلفًا أو محفوفًا بالمخاطر. كما يمكن نشرها من السفن أو من المواقع الساحلية، بحسب طبيعة المهمة ومدى المنصة.
لكن نجاح المشروع سيعتمد في النهاية على أكثر من السرعة والحمولة. فالقدرة على اكتشاف الهدف والتعرف عليه، والحفاظ على الملاحة، ومقاومة التشويش، وإدارة الاتصال، وتنفيذ المهمة في ظروف بحرية صعبة، ستكون عناصر حاسمة في تحديد القيمة العملياتية الفعلية للمنصة.
وبذلك تمثل المنصة السطحية غير المأهولة الجديدة التي تطورها PT PAL Indonesia خطوة مهمة في بناء قدرة هجومية بحرية محلية تعتمد على السرعة العالية، والحمولة الحربية، والاستقلالية، والذكاء الاصطناعي. ومع سرعة مستهدفة تصل إلى 55 عقدة ورأس حربي بوزن 150 كجم وقدرة على التعرف الذاتي على الأهداف، تسعى إندونيسيا إلى إضافة طبقة جديدة إلى قدراتها البحرية يمكن تشغيلها من دون تعريض أطقم بشرية للخطر.
ويمنح هذا المشروع البحرية الإندونيسية منصة هجومية غير مأهولة يمكن تطويرها لتناسب طبيعة العمليات في بيئة أرخبيلية واسعة، مع إمكانية استخدامها في المهام القتالية وأمن الحدود البحرية. وفي حال انتقالها بنجاح من الاختبارات إلى الخدمة والإنتاج، فقد تصبح هذه المنصة جزءًا من توجه إندونيسيا نحو بناء قدرات بحرية غير مأهولة محلية وقابلة للتوسع.