بدأت روسيا رسمياً بناء الغواصة النووية الهجومية Murmansk من فئة Yasen-M في حوض Sevmash، في خطوة تعكس استمرار برامج التحديث البحري الروسية رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية. وتمثل الغواصة الجديدة إحدى أكثر المنصات البحرية الروسية تطوراً، مع قدرات متقدمة على إطلاق الصواريخ المجنحة وفرط الصوتية وتنفيذ عمليات هجومية بعيدة المدى ضد الأهداف البحرية والبرية.
في مؤشر جديد على مواصلة موسكو الاستثمار في قدراتها البحرية الاستراتيجية، أعلنت شركة Sevmash الروسية لبناء السفن وضع عارضة الغواصة النووية الهجومية متعددة المهام Murmansk، التي تعد أحدث إضافة إلى مشروع Yasen-M (Project 885M)، أحد أكثر برامج الغواصات تطوراً في الترسانة البحرية الروسية. وجرت مراسم التدشين بحضور كبار قادة البحرية الروسية ومسؤولي قطاع الصناعات الدفاعية، في خطوة تؤكد استمرار تنفيذ خطط تحديث الأسطول البحري الروسي رغم التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تواجهها البلاد منذ سنوات.
وتحمل Murmansk أهمية خاصة داخل برنامج Yasen-M، إذ تمثل الغواصة التاسعة من النسخة المطورة للمشروع والأخيرة ضمن دفعة البناء الحالية التي تشكل العمود الفقري لقوات الغواصات الهجومية الروسية خلال العقود المقبلة. ويأتي تدشينها بعد نحو ست سنوات من آخر عملية وضع عارضة لغواصات هذه الفئة، ما يعكس التزام موسكو بالحفاظ على وتيرة إنتاج منصاتها البحرية الاستراتيجية رغم انشغالها بمتطلبات الحرب في أوكرانيا وتداعيات العقوبات الغربية على قطاع الصناعات الدفاعية الروسية.
وتُصنف غواصات Yasen-M ضمن فئة الغواصات النووية الهجومية المزودة بالصواريخ المجنحة، وقد صُممت لتأدية طيف واسع من المهام يشمل اصطياد الغواصات المعادية واستهداف القطع البحرية السطحية وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف برية بعيدة المدى وجمع المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع في البيئات البحرية المعقدة. وعلى خلاف غواصات الردع النووي الاستراتيجي المخصصة لحمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، تركز فئة Yasen-M على المرونة العملياتية والقدرة على تنفيذ عمليات هجومية متعددة الأدوار ضمن مختلف المسارح البحرية.
وتستفيد Murmansk من جميع التحسينات التي أدخلت على النسخة المطورة Yasen-M مقارنة بالغواصات الأصلية من مشروع Yasen. وتشمل هذه التعديلات تخفيض البصمة الصوتية للغواصة وتحسين أنظمة الاستشعار والسونار ورفع مستويات الأتمتة داخل المنصة، فضلاً عن تطوير أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات. وتهدف هذه التحسينات إلى تعزيز قدرة الغواصة على العمل بسرية أكبر في البيئات البحرية التي تشهد نشاطاً مكثفاً لقوات مكافحة الغواصات التابعة لحلف شمال الأطلسي.
وتعتمد الغواصة الجديدة على مفاعل نووي من طراز OK-650KPM بقوة تصل إلى 43 ألف حصان، ما يمنحها مدى عمليات غير محدود عملياً بفضل الدفع النووي. كما تستطيع بلوغ سرعة تصل إلى 35 عقدة تحت الماء مع القدرة على العمل على أعماق تصل إلى نحو 550 متراً، وهي خصائص تجعلها من بين أكثر الغواصات الهجومية الروسية تطوراً من حيث الأداء العملياتي والقدرة على المناورة والبقاء في البحر لفترات طويلة.
أما على مستوى التسليح، فتتمتع فئة Yasen-M بقدرات هجومية متنوعة تشمل صواريخ Kalibr المجنحة وصواريخ Oniks المضادة للسفن، إضافة إلى إمكانية تشغيل صواريخ Zircon الفرط صوتية التي أصبحت تمثل أحد أبرز عناصر الردع البحري الروسي في السنوات الأخيرة. كما تحمل الغواصات عشرة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم يمكن استخدامها لإطلاق الطوربيدات أو الصواريخ أو زرع الألغام البحرية، ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ مختلف أنواع المهام القتالية.
ويأتي تدشين Murmansk في وقت تواصل فيه البحرية الروسية إدخال غواصات جديدة من هذه الفئة إلى الخدمة. فقد دخلت الغواصة Arkhangelsk الخدمة الفعلية أواخر عام 2024، بينما تواصل غواصات أخرى من المشروع مراحل الاختبارات والتجارب البحرية. وتسعى موسكو إلى امتلاك أسطول متكامل من غواصات Yasen-M ليحل تدريجياً محل عدد من الغواصات السوفيتية الأقدم التي اقتربت من نهاية عمرها التشغيلي.
ويعكس استمرار البرنامج أهمية القوة البحرية تحت السطحية في العقيدة العسكرية الروسية الحديثة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، حافظت الغواصات النووية على مكانة مركزية داخل الاستراتيجية العسكرية الروسية باعتبارها أداة رئيسية لتحقيق الردع وفرض النفوذ البحري بعيداً عن السواحل الروسية. كما تمثل هذه الغواصات وسيلة فعالة لتعويض الفجوة الكمية والنوعية التي تفصل الأسطول الروسي عن بعض القدرات البحرية الغربية في مجال حاملات الطائرات والمجموعات القتالية السطحية الكبرى.
استراتيجياً، يكشف إطلاق مشروع Murmansk عن استمرار الرهان الروسي على الحرب البحرية غير المتماثلة كوسيلة لموازنة التفوق البحري الغربي. فبدلاً من الدخول في سباق مكلف لبناء أعداد كبيرة من القطع السطحية العملاقة، تركز موسكو على تطوير غواصات يصعب اكتشافها وقادرة على توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد أهداف بحرية وبرية على حد سواء. وتوفر هذه المقاربة للقيادة الروسية أداة ردع فعالة قادرة على تهديد خطوط الملاحة البحرية والبنى التحتية العسكرية الحيوية للخصوم في حال اندلاع أي مواجهة واسعة النطاق.
كما يحمل المشروع دلالات مهمة على صعيد المنافسة البحرية العالمية. فغواصات Yasen-M تعد من بين أبرز المنافسين للغواصات الهجومية الغربية الحديثة مثل Virginia الأمريكية وAstute البريطانية، وهو ما يجعل كل غواصة جديدة تدخل الخدمة محل متابعة دقيقة من قبل دوائر التخطيط العسكري في حلف الناتو. وتزداد أهمية ذلك في ظل تنامي النشاط العسكري في منطقة القطب الشمالي وشمال الأطلسي، حيث تشكل الغواصات الروسية إحدى الأدوات الرئيسية لحماية ما يعرف بـ"المعاقل البحرية" الخاصة بالردع النووي الروسي.
يمثل استمرار بناء غواصات Yasen-M مؤشراً على قدرة قطاع بناء السفن العسكرية الروسي على المحافظة على بعض برامجه الاستراتيجية الأكثر تعقيداً رغم القيود المفروضة على الوصول إلى التقنيات الغربية المتقدمة. كما يعزز المشروع مكانة حوض Sevmash باعتباره المركز الرئيسي لبناء الغواصات النووية الروسية، ويؤكد أن موسكو لا تزال تعتبر القوة البحرية تحت السطحية أحد أهم ركائز أمنها القومي وقدرتها على المنافسة العسكرية العالمية خلال العقود المقبلة.