خطت شركة NEWT21 اللاتفية المتخصصة في الأنظمة غير المأهولة خطوة جديدة نحو ترسيخ حضورها في سوق المنصات البحرية غير المأهولة، بعدما أكملت مشروعًا مدعومًا من الاتحاد الأوروبي لنقل منصتي FOG وRAY من مرحلة النماذج الأولية إلى الجاهزية للإنتاج المتسلسل، في تطور يعكس تسارع اعتماد المنصات غير المأهولة في العمليات البحرية الحديثة، ولا سيما بعد اكتساب هذه الأنظمة خبرة تشغيلية في البحر الأسود ضمن مهام نفذتها القوات المسلحة الأوكرانية. وأعلنت الشركة اكتمال المشروع في أغسطس 2026، بينما نشر The Drone Front تفاصيل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج في 21 أغسطس، موضحًا أن المبادرة ركزت على استكمال الوثائق الفنية ودمج الأنظمة وتهيئة المنصتين للتصنيع القياسي والاستخدام الدفاعي والمدني.
ويكتسب هذا التطور أهمية تتجاوز مجرد وصول منتجين جديدين إلى مرحلة التصنيع، لأن FOG وRAY يمثلان نموذجًا للاتجاه المتنامي في أوروبا نحو تطوير منصات بحرية غير مأهولة منخفضة الكلفة نسبيًا وقابلة للتكيف مع مجموعة واسعة من المهام، بدءًا من الاستطلاع والمراقبة وصولًا إلى الخدمات اللوجستية ومكافحة الألغام والإخلاء الطبي وتشغيل الطائرات غير المأهولة. ويأتي ذلك في وقت باتت فيه العمليات البحرية تشهد تحولًا واضحًا من الاعتماد الحصري على السفن المأهولة الكبيرة إلى توزيع جزء من المهام على منصات غير مأهولة يمكن تشغيلها بصورة مستقلة أو ضمن أسراب، بما يقلل المخاطر التي يتعرض لها الأفراد ويوسع نطاق الانتشار والاستطلاع.
وبحسب الشركة، حصلت المنصتان على مستوى الجاهزية التقنية Technology Readiness Level 8 (TRL 8)، وهو مستوى يعني أن النظام أصبح مكتملًا ومؤهلًا للعمل في صورته النهائية بعد استكمال عمليات الاختبار والتحقق ذات الصلة، بما يسمح بالانتقال إلى التصنيع القياسي والنشر. وكان المشروع الذي حمل طابعًا صناعيًا وتكنولوجيًا ممولًا جزئيًا من خلال European Regional Development Fund، وركز على تحديث المنصات ودمج أنظمتها واستكمال الاختبارات وإعداد الوثائق الفنية اللازمة لعملية الإنتاج.
وتكمن أهمية هذا التمويل الأوروبي في أنه يعكس اهتمام الاتحاد الأوروبي بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الأنظمة غير المأهولة وتحويل النماذج التجريبية الواعدة إلى منتجات قابلة للتصنيع والاستخدام على نطاق أوسع. فالتحدي الذي تواجهه العديد من شركات التكنولوجيا الدفاعية لا يتمثل بالضرورة في ابتكار منصة أولية، وإنما في الانتقال من نموذج ناجح في الاختبارات إلى منتج يمكن تصنيعه بأعداد متكررة، وصيانته، وتوفير قطع غياره، ودمجه مع أنظمة القيادة والسيطرة، ثم تسويقه للعملاء العسكريين والمدنيين. ويبدو أن مشروع NEWT21 استهدف هذه الفجوة تحديدًا.
وتستفيد المنصتان كذلك من تصميم هيكلي يعتمد على مواد خفيفة ومتينة، إذ تستخدم FOG وRAY هياكل مصنوعة من ألياف الكربون ومواد الأراميد، مع اعتماد تصميمات معيارية تسمح بتكييف المنصة مع طبيعة المهمة. كما تشير الشركة إلى إمكانية تشغيل ما يصل إلى 32 منصة ضمن تشكيلات ذاتية العمل من خلال محطة تحكم أرضية واحدة، وهي خاصية تكتسب أهمية كبيرة في مفهوم العمليات البحرية الموزعة، حيث لا تكون القيمة الرئيسية في منصة منفردة، وإنما في القدرة على إدارة عدد كبير من المنصات وتنسيق حركتها ومهامها ضمن شبكة عملياتية واحدة.
وتعد FOG المنصة الأصغر والأكثر تركيزًا على المهام التكتيكية السريعة. وتصفها NEWT21 بأنها منصة بحرية غير مأهولة عالية السرعة مصممة لمهام الاستطلاع السري وجمع المعلومات والاعتراض، إلى جانب دعم مهام هجومية أحادية الاتجاه. وتعتمد المنصة على منظومة دفع مائي بقدرة 90 حصانًا، تمكنها من الوصول إلى سرعة تصل إلى 46 عقدة، أي نحو 85 كيلومترًا في الساعة، مع مدى يصل إلى 486 ميلًا بحريًا، أي نحو 900 كيلومتر. كما تتوافر FOG في ثلاثة تكوينات بأطوال 3.6 و4.5 و5.4 أمتار، مع قدرة حمولة تصل إلى 200 كيلوجرام.
وتمنح هذه المواصفات FOG مجموعة من الخصائص التي تجعلها مناسبة بصورة خاصة للعمليات الساحلية والمهام التي تتطلب سرعة عالية وبصمة تشغيلية محدودة. فالسرعة القصوى المرتفعة نسبيًا بالنسبة إلى منصة بحرية صغيرة، إلى جانب المدى الطويل والقدرة على حمل حمولة تصل إلى 200 كيلوجرام، تسمح باستخدامها في مهام الاستطلاع والدوريات والمراقبة البحرية، مع إمكانية تكييفها وفق طبيعة المهمة. وتزداد قيمة هذه الخصائص عندما تعمل المنصة ضمن شبكة أكبر من المنصات غير المأهولة، إذ يمكن توزيع المهام بدل الاعتماد على منصة واحدة لتنفيذ جميع الوظائف.
أما RAY فتمثل الجيل الأكبر والأكثر تعددًا في الاستخدامات ضمن عائلة NEWT21، إذ يبلغ طولها 5.4 أمتار وتصل قدرتها على حمل الحمولة إلى 500 كيلوجرام. وتعتمد المنصة على محركين بقدرة إجمالية تبلغ 180 حصانًا، وتصل سرعتها القصوى إلى 42 عقدة، أي نحو 78 كيلومترًا في الساعة، مع مدى يصل إلى 378 ميلًا بحريًا، أو نحو 700 كيلومتر. وتدعم المنصة مجموعة واسعة من التطبيقات تشمل تركيب أسلحة يتم التحكم فيها عن بعد، ومهام مكافحة الألغام، والنقل اللوجستي، والإخلاء الطبي، وإطلاق أو هبوط الطائرات غير المأهولة، إضافة إلى أدوار مرتبطة بالدفاع الجوي.
وهذا التنوع يجعل RAY أقرب إلى منصة بحرية غير مأهولة متعددة المهام منها إلى مجرد زورق مسيّر تقليدي. فالقدرة على تغيير الحمولة أو تجهيز المنصة وفق المهمة تمنح المشغل مرونة أكبر في توزيع الأدوار، كما تقلل الحاجة إلى تطوير منصة منفصلة لكل وظيفة. وفي العمليات العسكرية الحديثة، تمثل هذه المرونة عاملًا مهمًا، لأن القوات البحرية تحتاج إلى التعامل مع مهام مختلفة ضمن بيئة عملياتية واحدة، وقد تتغير الأولويات بسرعة من المراقبة والاستطلاع إلى النقل أو مكافحة الألغام أو دعم أنظمة أخرى غير مأهولة.
وتكتسب عملية الانتقال إلى الإنتاج المتسلسل أهمية إضافية بسبب الخبرة التي اكتسبتها عائلة FOG في البيئة العملياتية للبحر الأسود. فقد استخدمت القوات المسلحة الأوكرانية المنصة في مهام الدوريات والاستطلاع، وهو ما يوفر للشركة خبرة عملية مهمة في ظروف بحرية وعسكرية حقيقية. ويختلف ذلك بصورة جوهرية عن تطوير منصة لم تتجاوز مرحلة الاختبارات في بيئة تدريبية، لأن الاستخدام العملياتي يكشف عادة عن تحديات تتعلق بالاتصالات والملاحة والتحمل والاعتمادية وإدارة المهمة لا يمكن محاكاتها بالكامل في المختبرات أو ميادين الاختبار التقليدية.
إن الخبرة الأوكرانية في استخدام FOG تمنح NEWT21 ميزة تسويقية وتقنية مهمة في سوق المنصات البحرية غير المأهولة. فالحرب في أوكرانيا تحولت إلى واحدة من أهم بيئات اختبار الأنظمة غير المأهولة في العالم، ليس فقط في المجال الجوي، وإنما كذلك في المجال البحري. وقد أظهرت العمليات في البحر الأسود أن المنصات غير المأهولة يمكنها تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق سفنًا مأهولة أكثر تكلفة وأكثر عرضة للاستهداف، كما أتاحت للقوات الأوكرانية توسيع قدراتها على المراقبة والضغط البحري في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا تقليديًا في عدد وحجم المنصات البحرية.
ويعني ذلك أن الانتقال من الاختبار إلى الإنتاج المتسلسل بالنسبة إلى FOG وRAY يأتي في توقيت مناسب بالنسبة إلى السوق الأوروبية. فدول البلطيق على وجه الخصوص تنظر إلى أمن السواحل والمياه الإقليمية والبنية التحتية البحرية باعتباره جزءًا متزايد الأهمية من أمنها القومي، في ظل البيئة الأمنية المتوترة في شمال وشرق أوروبا. ويمكن للمنصات غير المأهولة أن توفر قدرة إضافية للمراقبة والاستطلاع وحماية المناطق الساحلية دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من السفن المأهولة في كل نقطة من نقاط الاهتمام.
كما أن الموقع الجغرافي للاتفيا يمنح هذه الصناعة أهمية خاصة. فدول البلطيق تعمل في بيئة بحرية معقدة تتطلب مراقبة مستمرة لمناطق واسعة، في حين تمثل البنية التحتية البحرية، مثل الموانئ وخطوط الطاقة والاتصالات البحرية، أهدافًا استراتيجية محتملة في أي أزمة مستقبلية. ويمكن للمنصات غير المأهولة أن تلعب دورًا في مراقبة هذه المنشآت والممرات البحرية، خصوصًا عندما يتم دمجها مع مستشعرات وأنظمة قيادة وسيطرة تسمح بتبادل المعلومات بصورة فورية.
ومن زاوية أوسع، فإن قدرة محطة تحكم واحدة على إدارة ما يصل إلى 32 منصة تفتح الباب أمام مفهوم السرب البحري غير المأهول، وهو أحد أكثر الاتجاهات أهمية في تطور العمليات البحرية. ففي هذا النموذج لا تكون المنصة الفردية هي الوحدة الأساسية للقوة، وإنما مجموعة من المنصات الصغيرة التي يمكن توزيعها على منطقة واسعة، مع السماح لها بتنفيذ مهام متزامنة أو شبه مستقلة. ويمنح هذا الأسلوب القوات قدرة أكبر على تشتيت المستشعرات، وزيادة مساحة التغطية، وإرباك حسابات الخصم، مع خفض تكلفة فقدان منصة منفردة مقارنة بخسارة سفينة مأهولة كبيرة.
وتزداد قيمة هذا المفهوم عندما يقترن بالتصميم المعياري لمنصات NEWT21. فالمنصة التي يمكن تحويلها بين الاستطلاع والنقل ومكافحة الألغام أو دعم منصات جوية غير مأهولة توفر للمستخدم قدرة على إعادة تشكيل القوة وفق المهمة بدل شراء عدد كبير من المنصات المتخصصة. وهذا الاتجاه يتوافق مع التحول الجاري في الصناعات الدفاعية نحو الأنظمة المفتوحة والمرنة والقابلة للتحديث، خصوصًا في مجال الأنظمة غير المأهولة الذي يتغير بسرعة أكبر من دورات تطوير المنصات التقليدية.
ويكشف مشروع FOG وRAY كذلك عن أهمية الدور الأوروبي في تطوير القدرات البحرية غير المأهولة. فالسوق لم يعد محصورًا في الشركات الأمريكية أو الأوكرانية، وإنما تظهر شركات من دول أوروبية أصغر تمتلك منتجات يمكنها المنافسة من خلال السرعة والمرونة والتخصص. ومن شأن الانتقال إلى الإنتاج المتسلسل أن يسمح لـNEWT21 بالاستجابة لعقود أكبر، كما قد يتيح لها الدخول في برامج تعاون أوروبية تتطلب قدرة صناعية مستقرة وإنتاجًا متكررًا وليس مجرد نماذج تجريبية.