طور الجيش الأمريكي بالتعاون مع شركة EdgeRunner AI نموذجًا متخصصًا للذكاء الاصطناعي العسكري يحمل اسم EdgeRunner-Camo، في خطوة تستهدف نقل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي من الاستخدامات العامة إلى بيئة العمليات العسكرية الفعلية، مع التركيز على تشغيلها محليًا فوق المعدات الحاسوبية التكتيكية وفي البيئات المعزولة عن الشبكات. وأظهرت الاختبارات التي أجرتها الشركة ومركز Artificial Intelligence Integration Center (AI2C) التابع للجيش الأمريكي انخفاضًا إجماليًا في معدل الأخطاء بنسبة 37% عبر مجموعة من المهام العسكرية، بما يشمل شؤون الأفراد والإمداد والتدريب والعقيدة والسياسات الدفاعية والأسلحة والتكتيكات.
ويعكس تطوير EdgeRunner-Camo تحولًا مهمًا في نظرة المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى نماذج اللغة الكبيرة Large Language Models (LLMs)، إذ لم يعد الهدف يقتصر على إتاحة أدوات محادثة قادرة على تلخيص الوثائق أو الإجابة عن الأسئلة العامة، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو بناء نماذج مدربة على بيانات عسكرية متخصصة وقادرة على العمل داخل البيئات التي تفرض قيودًا صارمة على الاتصال بالشبكات. ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في ساحات القتال الحديثة التي يمكن أن تتعرض فيها شبكات الاتصالات لهجمات إلكترونية أو تشويش أو انقطاع متعمد، بما يجعل الاعتماد الدائم على خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية نقطة ضعف تشغيلية محتملة.
وأعلنت EdgeRunner AI نتائج المشروع في 20 أغسطس 2026، موضحة أن EdgeRunner-Camo يعتمد على نموذج مفتوح الأوزان Open-Weight جرى تخصيصه للعمل محليًا، بما في ذلك داخل البيئات المعزولة تمامًا عن الشبكات Air-Gapped Environments، دون الحاجة إلى الاتصال المستمر بخدمات الذكاء الاصطناعي المستضافة على السحابة. وتمنح هذه الخاصية النموذج أهمية مباشرة بالنسبة إلى الوحدات العسكرية المنتشرة في الميدان، حيث يمكن تشغيل قدرات التحليل والمساعدة المعرفية على أجهزة موجودة في موقع المستخدم بدل إرسال البيانات العسكرية إلى بنية سحابية بعيدة.
ويستند النموذج الجديد إلى تجربة سابقة للجيش الأمريكي تمثلت في منصة CamoGPT، وهي منصة ذكاء اصطناعي محادثية أطلقها Artificial Intelligence Integration Center (AI2C) في عام 2024، وكانت تعمل على شبكة NIPRNet وتتعامل مع بيانات مصنفة ضمن مستوى Impact Level 5 (IL-5)، بما في ذلك المعلومات غير السرية الخاضعة للرقابة Controlled Unclassified Information (CUI). وبحلول منتصف عام 2025، وصل عدد مستخدمي CamoGPT إلى نحو 75 ألف مستخدم، ما وفر للجيش قاعدة واسعة من الاستخدامات الفعلية والبيانات التي يمكن الاستفادة منها في فهم كيفية تعامل العسكريين مع أدوات الذكاء الاصطناعي والمهام التي يحتاجون إليها.
وفي إطار المشروع الجديد، قامت EdgeRunner AI وAI2C بتحليل نحو 1.4 مليون محادثة من محادثات CamoGPT تضمنت إجمالي 17.7 مليون رسالة بين المستخدمين والنموذج. ولم تُستخدم هذه البيانات بصورة مباشرة، بل خضعت لعملية تنقية استبعدت الاستفسارات غير العسكرية، والمعلومات التي تتضمن بيانات تعريف شخصية، إضافة إلى الأسئلة التي لا يستطيع نموذج مستقل الإجابة عنها دون أدوات خارجية أو تقنيات استرجاع معلومات. وبعد عملية التنقية، أصبحت البيانات أكثر تركيزًا على المجالات التي يحتاج إليها العسكريون فعليًا، ومنها شؤون الأفراد والتنظيم، والخدمات اللوجستية والإمداد، والتدريب والعقيدة، والسياسة والاستراتيجية الدفاعية، والأسلحة والمنصات، والتكتيكات والعمليات.
وتبرز أهمية هذه المنهجية في أنها لا تعتمد فقط على ضخ كمية ضخمة من البيانات العسكرية داخل نموذج عام، بل تحاول تحديد البيانات الأكثر ارتباطًا بالمهام العسكرية واستخدامها لتحسين أداء نموذج أصغر حجمًا. وقد جرى تنفيذ معالجة البيانات وتدريب النموذج داخل بيئة سحابية حكومية حاصلة على اعتماد IL-5، وهو عامل بالغ الأهمية عند التعامل مع بيانات عسكرية حساسة، لأنه يحد من المخاطر المرتبطة بنقل المعلومات إلى بيئات تجارية غير مخصصة للاستخدامات الحكومية والدفاعية.
واستخدمت EdgeRunner AI تقنية On-Policy Distillation (OPD) لتدريب النموذج، وهي منهجية تسمح للنموذج الأصغر بالتعلم من نموذج أكبر عبر مقارنة مخرجاته وتقييمها. وفي هذه التجربة، استُخدم Gemma 4 E4B كنموذج الطالب، بينما أدى Gemma 4 31B دور نموذج المعلم. وبعد متابعة الأداء خلال مراحل التدريب باستخدام منظومة التقييم الخاصة بالشركة، اختيرت نقطة تحقق عند 4 آلاف خطوة لإجراء التقييم النهائي. وتوضح هذه العملية أن الهدف لم يكن بناء نموذج ضخم جديد من الصفر، وإنما نقل المعرفة المتخصصة إلى نموذج أصغر وأكثر قابلية للنشر داخل البيئات العسكرية التكتيكية.
وأظهرت نتائج الاختبارات انخفاض معدل الأخطاء بنسبة 37% بصورة إجمالية مقارنة بالنموذج الأساسي، لكن الأداء لم يكن متساويًا في جميع المجالات. فقد سجل مجال Training and Doctrine أكبر انخفاض في الأخطاء بنسبة 57%، بينما بلغت نسبة الانخفاض في مجال Logistics and Supply نحو 16%. وشملت التحسينات كذلك مجالات الأفراد والتنظيم والسياسات الدفاعية والاستراتيجية والأسلحة والمنصات والتكتيكات والعمليات، وهو ما يشير إلى أن التخصص العسكري يمكن أن يحقق مكاسب ملموسة حتى عندما يكون النموذج المستخدم أصغر بكثير من النماذج العامة الأكبر حجمًا.
وهنا تظهر إحدى أهم الدلالات التقنية للمشروع، إذ تقول EdgeRunner AI إن التخصص في المجالات العسكرية يمكن أن يسمح بتقليص حجم نماذج الذكاء الاصطناعي بنحو عشرة أضعاف أو أكثر، مع الحفاظ على مستويات دقة متقدمة في المهام العسكرية. وإذا أثبت هذا النهج قابليته للتوسع، فإنه قد يغير بصورة كبيرة الطريقة التي تنشر بها القوات المسلحة أنظمة الذكاء الاصطناعي، لأن النموذج الأصغر لا يحتاج إلى موارد حوسبة ضخمة مثل تلك التي تتطلبها النماذج العامة الأكبر، ما يفتح المجال أمام تشغيله على أجهزة موجودة بالفعل لدى الوحدات الميدانية.
وتكتسب القدرة على التشغيل المحلي أهمية استراتيجية تتجاوز الجانب التقني. ففي العمليات العسكرية الحديثة، يمثل الاتصال بالشبكات موردًا يمكن استهدافه أو تعطيله، كما أن بعض الوحدات قد تعمل في مناطق لا تتوفر فيها بنية اتصالات موثوقة. وعندما يصبح نموذج الذكاء الاصطناعي قادرًا على العمل على الجهاز المحلي، يمكن للمستخدم العسكري الاستفادة من قدرات التحليل والمساعدة دون الحاجة إلى إرسال البيانات إلى مركز بيانات بعيد. وهذا ينسجم مع الاتجاه الأمريكي المتزايد نحو دفع قدرات الذكاء الاصطناعي إلى Tactical Edge، حيث يجب أن تكون أدوات اتخاذ القرار قريبة من القوات التي تحتاج إليها وفي الوقت الذي تحتاج فيه إليها.
كما أن تشغيل نموذج متخصص على الأجهزة المحلية يفتح الباب أمام دمج الذكاء الاصطناعي في مجموعة أوسع من التطبيقات العسكرية، بدءًا من البحث في الوثائق والتعليمات العسكرية وصولًا إلى دعم التخطيط وتحليل البيانات والمساعدة في العمليات اللوجستية والتدريب. ولا يعني ذلك أن EdgeRunner-Camo أصبح نظامًا مستقلًا لاتخاذ القرارات القتالية، وإنما يمثل طبقة معرفية يمكن أن تساعد العسكريين في الوصول إلى المعلومات وفهمها واستخدامها بسرعة أكبر، مع بقاء القرار العملياتي النهائي ضمن مسؤولية العنصر البشري.
ويأتي هذا التطور أيضًا في ظل مشكلة أوسع تواجهها القوات المسلحة عند محاولة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية العامة في التطبيقات العسكرية. فقد أظهرت دراسة سابقة أجرتها EdgeRunner AI واختبرت خلالها 24 نموذجًا متقدمًا من نماذج اللغة الكبيرة أن بعض النماذج رفضت الإجابة عن نسبة مرتفعة جدًا من الاستفسارات العسكرية المشروعة، وصلت في بعض الحالات إلى 98%. وأرجعت الشركة ذلك جزئيًا إلى أن النماذج العامة لم تُدرّب بصورة متخصصة على البيانات والعقيدة العسكرية، وهو ما يعزز الحجة لصالح نماذج متخصصة مثل EdgeRunner-Camo.
وتكشف هذه النقطة عن تغير في المنافسة العالمية بمجال الذكاء الاصطناعي الدفاعي. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول امتلاك أقوى نموذج عام أو أكبر عدد من المعالجات، وإنما تتجه نحو تطوير نماذج متخصصة قادرة على التعامل مع متطلبات قطاع محدد بدرجة أعلى من الدقة والموثوقية. وفي القطاع العسكري، تكتسب هذه المسألة وزنًا إضافيًا بسبب طبيعة البيانات المستخدمة وحساسية القرارات التي يمكن أن تدعمها النماذج، إضافة إلى ضرورة العمل في بيئات غير مستقرة من الناحية الاتصالية والأمنية.
ومن هذه الزاوية، يمثل EdgeRunner-Camo نموذجًا لاتجاه يمكن أن تتبعه جيوش أخرى، يتمثل في استثمار البيانات الناتجة عن الاستخدام الفعلي للقوات لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة. فبدل الاعتماد الكامل على نماذج تجارية مصممة للاستخدام المدني العام، تستطيع المؤسسات العسكرية بناء نماذج تستفيد من خبراتها الداخلية، ووثائقها وعقيدتها ومناهج تدريبها وبياناتها التشغيلية، مع تطبيق ضوابط صارمة لحماية المعلومات الحساسة.
وتكمن أهمية المشروع في أنه يوسع مفهوم المنظومة العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي من البرمجيات الضخمة الموجودة في مراكز البيانات إلى أدوات يمكن توزيعها على مستوى الجندي والوحدة والمنصة. وإذا تمكنت الشركات من إنتاج نماذج صغيرة ومتخصصة تعمل بكفاءة على أجهزة عسكرية محدودة الموارد، فقد ينشأ سوق جديد لبرمجيات الذكاء الاصطناعي التكتيكي، يضم نماذج اللغة وأنظمة الاستدلال وأدوات تحليل البيانات وواجهات التشغيل المدمجة في الحواسيب والأجهزة المحمولة والمركبات والمنصات غير المأهولة.
ومن المنتظر أن تواصل EdgeRunner AI تطوير EdgeRunner-Camo عبر إضافة قدرات جديدة، من بينها Tool Calling وAgentic Retrieval، إلى جانب تقنيات إضافية لمرحلة ما بعد التدريب. وتستهدف هذه الخطوات نقل النموذج تدريجيًا من مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة إلى نظام قادر على الوصول المنضبط إلى مصادر المعلومات واستخدام أدوات رقمية وتنفيذ مهام أكثر تعقيدًا. وهذا المسار مهم عسكريًا لأنه يفتح المجال أمام تحويل النموذج من واجهة محادثة إلى مساعد رقمي يمكنه العمل ضمن سلسلة من المهام المرتبطة ببعضها.
لا تكمن أهمية EdgeRunner-Camo في خفض معدل الأخطاء بنسبة 37% فقط، بل في النموذج الصناعي والتقني الذي يمثله المشروع. فالجيش الأمريكي وشركة EdgeRunner AI يحاولان إثبات أن نموذجًا أصغر، إذا جرى تدريبه على بيانات عسكرية مناسبة وتخصيصه لمهام محددة، يمكن أن يكون أكثر ملاءمة للاستخدام العسكري من نموذج عام أكبر بكثير. كما أن القدرة على تشغيله محليًا وفي بيئات معزولة عن الشبكات تمنحه قيمة خاصة في ساحات القتال التي تتسم بالتشويش والحرمان من الاتصالات والتهديدات السيبرانية. وإذا نجح هذا النهج في الانتقال من مرحلة الاختبار إلى الاستخدام العملياتي واسع النطاق، فقد يصبح تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عسكرية صغيرة ومتخصصة وموزعة على مستوى Tactical Edge أحد المسارات الرئيسية في تطور التكنولوجيا الدفاعية خلال السنوات المقبلة، بما يعزز تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تحليل مركزية إلى قدرة تشغيلية منتشرة داخل القوة القتالية نفسها.