أخبار: السويد تتسلم أول أربع أنظمة مدفعية طراز Archer 8×8

تسلمت القوات المسلحة السويدية أول أربع منظومات من المدفعية ذاتية الحركة Archer 8×8، في خطوة تمثل بداية فعلية لإدخال النسخة الجديدة من أحد أبرز أنظمة المدفعية الميدانية الأوروبية إلى الخدمة، وتعكس في الوقت نفسه توجه ستوكهولم نحو تعزيز قدرة قواتها البرية على الحركة السريعة والانتشار في مسرح العمليات، مع الحفاظ على القوة النارية والدقة التي اشتهرت بها منظومة Archer.

ويمثل التسليم، الذي أُعلن في 27 أغسطس 2026، مرحلة مهمة في برنامج تحديث المدفعية السويدية، بعدما تعاقدت ستوكهولم مع شركة BAE Systems في سبتمبر 2023 على شراء 48 منظومة Archer 8×8، في صفقة بلغت قيمتها نحو 500 مليون دولار. وعززت السويد البرنامج لاحقا بطلب إضافي لشراء 18 مدفعا آخر خلال عام 2025، ما رفع إجمالي عدد الأنظمة المطلوبة إلى 66 منظومة.

وتتجه السويد لاستخدام المنظومات الأربع الأولى في تدريب المجندين خلال المرحلة المقبلة، على أن تتسلم منظومتين إضافيتين في خريف العام الجاري، بينما يستمر تسليم بقية الأنظمة تدريجيا حتى اكتمال البرنامج بحلول عام 2030. ومن المقرر أن يبدأ إدخال Archer 8×8 إلى فوج المدفعية A 9 في منطقة Bergslagen خلال خريف 2026، قبل أن تصبح المنظومة جزءا من وحدات القتال المستقبلية للقوات المسلحة السويدية.

ولا يمثل وصول النسخة الجديدة مجرد زيادة عددية في أسطول المدفعية، بل يعكس تحولا في فلسفة تشغيل المنظومة نفسها. فالنسخة Archer 8×8 تعتمد على شاحنة عسكرية ذات ثماني عجلات بدلا من الهيكل المفصلي المعتمد على مركبة نقل ثقيلة في النسخة Archer 6×6، مع الاحتفاظ بقدرات المدفعية عيار 155 ملم التي تشكل جوهر النظام.

ويمنح الهيكل الجديد القوات السويدية قدرة أكبر على الحركة السريعة فوق شبكة الطرق، وهي ميزة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة للجيوش الأوروبية التي تعيد النظر في خطط الانتشار والتمركز بعد التغيرات الأمنية التي شهدتها القارة. وتصل سرعة Archer 8×8 على الطرق إلى ما بين 80 و90 كيلومترا في الساعة، مقارنة بسرعة تراوح بين 50 و60 كيلومترا في الساعة للنسخة السابقة Archer 6×6، وهو فارق يمنح الوحدات قدرة أفضل على المناورة بين مناطق الإطلاق وإعادة التموضع خلال زمن أقصر.

وتكمن أهمية هذه السرعة في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المدفعية قادرة على البقاء لفترات طويلة في موقع واحد بعد تنفيذ الرمايات. فوسائل الاستطلاع الجوي والطائرات غير المأهولة والرادارات المضادة للبطاريات أصبحت قادرة على رصد مصادر النيران بسرعة كبيرة، ما يجعل القدرة على تنفيذ المهمة ثم مغادرة الموقع عاملا رئيسيا في بقاء المدفعية واستمرار فعاليتها.

ولهذا صممت منظومة Archer لتنفيذ نمط عملياتي يعتمد على الانتشار السريع وإطلاق النار ثم الانسحاب الفوري من منطقة الرماية. ويمكن للمنظومة استقبال مهمة نارية والتوقف وتجهيز المدفع وإطلاق القذيفة الأولى في أقل من 30 ثانية. وبعد انتهاء المهمة، تستطيع مغادرة الموقع خلال أقل من 30 ثانية، بما يقلل فترة تعرضها للرصد والاستهداف المعادي.

وتتمتع منظومة Archer بسجل تشغيلي تجاوز حدود السويد، إذ دخلت الخدمة في الجيش السويدي عام 2016 على هيكل Archer 6×6. كما اختارها الجيش البريطاني كحل مؤقت لتعويض مدافع AS90 ذاتية الحركة التي تم إرسالها إلى أوكرانيا، في حين دخلت المنظومة أيضا إلى الاستخدام العملياتي لدى القوات الأوكرانية.

ومنح الاستخدام في بيئة قتالية فعلية منظومات المدفعية ذاتية الحركة أهمية أكبر في السوق الدفاعية الدولية، خصوصا بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا أن التفوق المدفعي لا يعتمد فقط على مدى المدفع أو حجم الذخيرة، بل يرتبط كذلك بسرعة الاستجابة، والقدرة على الحركة، وربط المدفعية بأنظمة القيادة والاستطلاع، والقدرة على البقاء تحت التهديد المستمر للطائرات غير المأهولة ونيران المدفعية المعادية.

ومن هذا المنظور، فإن انتقال السويد إلى Archer 8×8 يعكس توجها أوسع داخل الجيوش الأوروبية نحو المدفعية ذاتية الحركة عالية الحركة. فالقوات البرية الحديثة تحتاج إلى منظومات قادرة على الانتقال بسرعة عبر مسافات طويلة، والاندماج مع وحدات المناورة، وتنفيذ ضربات دقيقة، ثم تغيير مواقعها قبل أن يتمكن الخصم من تحديد مكانها واستهدافها.

وتحمل الصفقة أيضا دلالة صناعية مهمة بالنسبة إلى BAE Systems، إذ تمثل برنامج Archer 8×8 خطوة إضافية نحو تعزيز موقع الشركة في سوق المدفعية ذاتية الحركة، وهو سوق يشهد منافسة متصاعدة بين المنصات المجنزرة والمدفعية المركبة على شاحنات. وقد أصبحت الجيوش تنظر بصورة متزايدة إلى المدفعية ذات العجلات باعتبارها خيارا يوفر سرعة استراتيجية أعلى وسهولة أكبر في الحركة عبر الطرق، مع تقليل بعض الأعباء المرتبطة بتشغيل وصيانة المركبات المجنزرة الثقيلة.

ولا يعني ذلك تراجع أهمية المدفعية المجنزرة، التي تظل ذات قدرة أفضل في بعض البيئات الوعرة ومرافقة القوات المدرعة، إلا أن Archer 8×8 يمثل بوضوح اتجاها مختلفا يركز على السرعة التشغيلية والانتشار السريع. وتزداد جاذبية هذا النموذج بالنسبة إلى دول أوروبا الشمالية والوسطى، حيث تشكل شبكة الطرق عاملا مهما في حركة القوات وإعادة نشرها بين القطاعات.

وتبرز كذلك أهمية زيادة عدد منظومات Archer المطلوبة إلى 66 وحدة في قدرة السويد على إعادة بناء قوتها النارية البرية. فالقرار لا يقتصر على استبدال معدات قديمة، بل يعكس توجها نحو زيادة حجم القدرة المدفعية المتاحة، في وقت تدفع فيه البيئة الأمنية الأوروبية جيوش القارة إلى إعادة تقييم حجم مخزوناتها من المدفعية والذخائر وقدرتها على خوض عمليات طويلة الأمد.