خصصت كوريا الجنوبية نحو 3.43 تريليون وون، ما يعادل 2.43 مليار دولار لتنفيذ برنامج شامل لتحديث دبابات القتال الرئيسية K2 Black Panther التابعة للقوات البرية، بهدف تعزيز قدرتها على البقاء في ساحة المعركة ومواجهة التهديدات المتطورة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة الهجومية والأسلحة المضادة للدبابات.
وأقرت إدارة برنامج اقتناء الدفاع الكورية الجنوبية (DAPA) برنامج تحديث أداء دبابات K2، على أن يمتد تنفيذه خلال الفترة من 2028 إلى 2046، بما يشير إلى أن المشروع لا يقتصر على إدخال تعديلات محدودة على الدبابة، وإنما يمثل مسارًا طويل الأمد لتطوير قدراتها بما يتناسب مع التحولات التي طرأت على بيئة العمليات البرية.
ويركز البرنامج على ثلاثة مكونات رئيسية لتعزيز حماية الدبابة، تشمل منظومة حماية نشطة (APS) قادرة على التعامل مع الصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات، ومنظومة تشويش مخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة التي تعمل بالتحكم اللاسلكي، إضافة إلى محطة أسلحة يتم التحكم فيها عن بعد (RWS) لتعزيز قدرة الطاقم على الاشتباك مع التهديدات القريبة دون الحاجة إلى تعريض أفراد الطاقم بصورة مباشرة.
وتعكس طبيعة هذه التحديثات تغيرًا واضحًا في أولويات حماية الدبابات الحديثة. فالدبابة لم تعد تواجه بصورة رئيسية تهديدات مصدرها دبابات الخصم أو الصواريخ المضادة للدروع التي تطلق من مواقع أرضية، وإنما أصبحت معرضة كذلك لهجمات الطائرات المسيّرة الصغيرة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة الانتحارية وذات منظور الشخص الأول (FPV)، التي أثبتت قدرتها على استهداف المركبات المدرعة من اتجاهات متعددة.
وتبرز أهمية هذا التوجه بصورة خاصة في شبه الجزيرة الكورية، في ظل التطور المتزايد في قدرات كوريا الشمالية في مجال الأنظمة غير المأهولة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن بيونغ يانغ تعمل على تطوير برنامج للطائرات المسيّرة الانتحارية، مع مؤشرات على استفادتها من الخبرات والتقنيات الروسية في هذا المجال.
ويمثل ذلك تحديًا مختلفًا بالنسبة إلى الدبابات، لأن الطائرات المسيّرة يمكنها الاقتراب من المركبة المدرعة من زوايا يصعب على وسائل الحماية التقليدية التعامل معها، كما تستطيع بعض الأنظمة مهاجمة الدبابات من الأعلى، حيث تكون الحماية المدرعة في عدد من التصاميم أقل سماكة مقارنة بالواجهات الأمامية والجانبية.
ولهذا فإن إدخال منظومة حماية نشطة إلى K2 Black Panther يمثل تحولًا مهمًا في فلسفة حماية الدبابة. فبدل الاعتماد بصورة أساسية على سماكة التدريع والدروع التفاعلية ووسائل الإخفاء، ستصبح الدبابة قادرة على إضافة طبقة دفاعية تعتمد على اكتشاف التهديد القادم والتعامل معه قبل وصوله إلى الهيكل.
وتختلف هذه القدرة عن منظومات الحماية السلبية التقليدية، إذ تعمل منظومة الحماية النشطة على استخدام المستشعرات لاكتشاف المقذوفات أو الصواريخ المهاجمة، ثم إطلاق وسائل اعتراض مخصصة لتدمير التهديد أو تحييده قبل إصابة الدبابة.
لكن برنامج التحديث الكوري لا يعتمد على منظومة الحماية النشطة وحدها، إذ ستتلقى الدبابات أيضًا منظومة حرب إلكترونية للتعامل مع الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة التي تعتمد على التحكم اللاسلكي. ويعكس ذلك إدراكًا بأن مواجهة الطائرات المسيّرة لا يمكن أن تعتمد على الاعتراض الحركي فقط، وإنما تحتاج إلى الجمع بين وسائل الحرب الإلكترونية والحماية النشطة والاشتباك المباشر.
وتوفر الحرب الإلكترونية إمكانية تعطيل أو إرباك بعض الروابط المستخدمة في التحكم بالطائرات المسيّرة، أو التأثير في وسائل الاتصال التي تعتمد عليها الأنظمة المعادية. وفي المقابل، توفر منظومة الحماية النشطة طبقة أخرى للتعامل مع التهديدات التي تتمكن من الوصول إلى نطاق الاشتباك، بينما تمنح محطة الأسلحة التي يتم التحكم فيها عن بعد الطاقم قدرة إضافية على الاشتباك مع الطائرات المسيّرة والأهداف القريبة بحسب نوع التسليح الذي ستجهز به.
وتشير هذه التوليفة إلى توجه كوريا الجنوبية نحو بناء دفاع متعدد الطبقات للدبابة بدل الاعتماد على وسيلة واحدة. وهذا النهج أصبح أكثر أهمية مع تطور الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي يمكن استخدامها بأعداد كبيرة وبتكلفة أقل بكثير من تكلفة الدبابة أو منظومات الدفاع التقليدية المصممة لمواجهتها.
وتعد K2 Black Panther التي تنتجها Hyundai Rotem الدبابة الرئيسية الأكثر تقدمًا في القوات البرية الكورية الجنوبية، وقد دخلت الخدمة للمرة الأولى عام 2014. وتزن الدبابة نحو 56 طنًا، وتعمل بمحرك ديزل بقوة تقارب 1500 حصان، وتصل سرعتها على الطرق المعبدة إلى نحو 70 كيلومترًا في الساعة، بينما تعتمد في تسليحها الرئيسي على مدفع أملس عيار 120 ملم مزود بمنظومة تلقيم آلي.
كما تتميز K2 بنظام تعليق هيدرونيوماتيكي يسمح بتعديل ارتفاع الدبابة وزاوية هيكلها وفق طبيعة الأرض والموقف التكتيكي، إلى جانب منظومات متقدمة للرؤية الحرارية وإدارة النيران والاتصالات وإدارة المعركة، ما يجعلها مصممة منذ الأساس للعمل ضمن تشكيلات مدرعة مترابطة وليس كمنصة نيران مستقلة.
ويضيف برنامج التحديث الجديد طبقة حماية إلى هذه المنظومة، مع التركيز على التهديدات التي أصبحت أكثر حضورًا في العمليات البرية الحديثة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا رئيسيًا في عمليات الاستطلاع والاستهداف والهجوم، وأظهرت قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بالمركبات المدرعة.
كما أن كوريا الجنوبية تواجه تطورًا موازيًا في قدرات المدرعات الكورية الشمالية. فقد كشفت بيونغ يانغ عن دبابة القتال الرئيسية Chonma-20 التي تتضمن بدورها منظومة حماية نشطة، ما يعكس اتجاهًا نحو إدخال تقنيات حماية متقدمة إلى الدبابات في جانبي شبه الجزيرة.
ومن ثم فإن تحديث K2 لا يتعلق فقط بمواجهة الطائرات المسيّرة، وإنما يمثل جزءًا من سباق أوسع لتطوير قدرة القوات المدرعة على البقاء في بيئة أصبحت فيها وسائل الاستطلاع والاستهداف الدقيقة أكثر انتشارًا.
وتشير المدة الزمنية الطويلة للبرنامج، الممتدة من 2028 وحتى 2046، إلى أن كوريا الجنوبية تتعامل مع التحديث باعتباره برنامجًا مستقبليًا مستدامًا وليس استجابة مؤقتة لتهديد محدد. ويعني ذلك أن الدبابات ستخضع لعملية تطوير تدريجية تسمح بإدخال التقنيات الجديدة على مراحل مع تطور طبيعة التهديدات.
ويكتسب هذا الأمر أهمية لأن الطائرات المسيّرة نفسها تتطور بسرعة كبيرة، سواء من حيث أنظمة الملاحة أو الاتصالات أو الذكاء الاصطناعي أو القدرة على العمل بصورة مستقلة. ولذلك فإن منظومة الحماية التي يجري تطويرها اليوم يجب أن تكون قابلة للتحديث حتى تتمكن من مواجهة أجيال جديدة من الطائرات المسيّرة التي قد تظهر خلال العقد المقبل.
كما أن إدخال محطة أسلحة يتم التحكم فيها عن بعد يوفر للدبابة وسيلة اشتباك إضافية لا ترتبط فقط بمواجهة الطائرات المسيّرة. ويمكن لهذه المحطة أن تستخدم ضد أفراد المشاة والأهداف الخفيفة والتهديدات القريبة، بما يعزز قدرة الطاقم على التعامل مع محيط الدبابة دون الاعتماد الكامل على المدفع الرئيسي عيار 120 ملم.
ويعكس ذلك تحولًا في مفهوم الدبابة نفسها؛ فالدبابة الحديثة أصبحت بحاجة إلى التعامل مع مجموعة واسعة من التهديدات في الوقت نفسه، تشمل الصواريخ المضادة للدروع والعبوات الناسفة والطائرات المسيّرة والأسلحة الخفيفة، إلى جانب الدبابات والعربات المدرعة المعادية.
ومن الناحية العملياتية، فإن الجمع بين الحماية النشطة والحرب الإلكترونية ومحطة الأسلحة عن بعد يمكن أن يمنح وحدات K2 قدرة أفضل على العمل في بيئة مشبعة بالأنظمة غير المأهولة. لكن الفاعلية النهائية لهذه المنظومة ستعتمد على مستوى التكامل بين المستشعرات ونظام إدارة المعركة ومنظومة الحماية النشطة والحرب الإلكترونية، وليس على أداء كل مكون بصورة منفصلة.
وتكشف الخطة الكورية أيضًا عن توجه نحو الحفاظ على القيمة العملياتية لدبابات K2 الموجودة في الخدمة بدل الاكتفاء بشراء منصات جديدة. فالتحديث الإلكتروني والتسليحي يمكن أن يسمح بإطالة العمر العملياتي للدبابة ورفع مستوى بقائها في ساحة المعركة دون الحاجة إلى استبدال الأسطول بالكامل.
وتأتي هذه السياسة بالتوازي مع توسع حضور K2 في سوق التصدير، خصوصًا بعد اختيار بولندا للدبابة ضمن برنامج واسع لإعادة بناء قدراتها المدرعة، مع خطط لتطوير نسخة K2PL وإنتاج جزء من الدبابات محليًا. ويعني ذلك أن التطويرات التي تدخل على K2 الكورية يمكن أن تؤثر أيضًا في مستقبل المنصة على المستوى التصديري، خصوصًا مع تزايد اهتمام الجيوش الأجنبية بتجهيز الدبابات بقدرات مضادة للطائرات المسيّرة.
وبذلك، يمثل برنامج كوريا الجنوبية البالغة قيمته 2.43 مليار دولار خطوة رئيسية في إعادة تعريف قدرة K2 Black Panther على البقاء في ساحة المعركة. فالدبابة التي صممت أصلًا لتوفير مزيج من الحماية والحركة وقوة النيران والقدرات الرقمية، تتجه الآن إلى إضافة طبقات متخصصة لمواجهة التهديدات غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
وتعكس الخطة في جوهرها انتقال كوريا الجنوبية من مفهوم حماية الدبابة عبر التدريع والحركة إلى مفهوم أكثر تعقيدًا يقوم على الحماية متعددة الطبقات، تجمع بين التدريع التقليدي، والحماية النشطة، والحرب الإلكترونية، والتسليح الذي يتم التحكم فيه عن بعد.
ومع بدء تنفيذ البرنامج في عام 2028 واستمراره حتى 2046، تستعد كوريا الجنوبية لتحويل أسطول K2 إلى قوة مدرعة أكثر قدرة على التعامل مع ساحة المعركة التي أصبحت فيها الطائرات المسيّرة جزءًا أساسيًا من منظومة الاستطلاع والاستهداف والهجوم، وبما يضمن استمرار قدرة الدبابة على تنفيذ مهامها في مواجهة التهديدات البرية والجوية القريبة خلال العقود المقبلة.