تتجه ليتوانيا إلى ترسيخ مكانتها كمركز صناعي متقدم لدبابات Leopard 2A8 في منطقة البلطيق، بعدما أطلقت مشروعًا لإنشاء منشأة متخصصة لتجميع وصيانة الدبابات في مدينة كاوناس، في خطوة تتجاوز مفهوم التعاقد على شراء المعدات العسكرية لتؤسس قاعدة صناعية متكاملة تدعم جاهزية قواتها المسلحة وتعزز قدرات حلف شمال الأطلسي على الجبهة الشرقية. ويعكس المشروع تحولًا استراتيجيًا في سياسة فيلنيوس الدفاعية، التي باتت تركز على بناء قدرات إنتاج وصيانة محلية تضمن استدامة تشغيل المنظومات القتالية الحديثة وتقليل الاعتماد على مراكز الدعم البعيدة.
ويأتي المشروع بعد إعلان مجموعة الإنشاءات الفنلندية YIT، في 27 يوليو، توقيع عقد لإنشاء منشأة تجميع وصيانة دبابات Leopard 2A8 لصالح شركة UAB Lithuania Defence Services، باستثمارات تبلغ نحو 30 مليون يورو. ومن المقرر أن تبدأ أعمال البناء خلال أغسطس 2026، على أن يكتمل المشروع في نوفمبر 2027 داخل المنطقة الاقتصادية الحرة بمدينة كاوناس، حيث سيقام المجمع على مساحة تقارب عشرة هكتارات، ويضم مبنى رئيسيًا للتجميع والصيانة إلى جانب منشآت مساندة ومرافق فنية متخصصة. كما سيُنفذ المشروع وفق نموذج التصميم والبناء المتكامل، مع الاعتماد على تقنيات النمذجة الرقمية للبناء، بما يضمن إنشاء منشأة تلبي أعلى معايير الكفاءة التشغيلية والطاقة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنشاء ورش للصيانة، بل يمثل حجر الأساس لبناء قاعدة صناعية قادرة على تجميع جزء كبير من أسطول ليتوانيا المستقبلي من دبابات Leopard 2A8، إلى جانب توفير خدمات الصيانة والدعم الفني والتأهيل الهندسي بالقرب من الوحدات القتالية. ومن شأن ذلك تقليص زمن إعادة الدبابات إلى الخدمة، ورفع معدلات الجاهزية العملياتية، مع توفير كوادر محلية تمتلك الخبرة الفنية اللازمة لتشغيل وصيانة واحدة من أكثر دبابات القتال الرئيسية تطورًا في العالم.
ويرتبط المشروع مباشرة ببرنامج ليتوانيا لاقتناء 44 دبابة Leopard 2A8، والذي تم التوقيع عليه في ديسمبر 2024 بقيمة تقارب 950 مليون يورو، متضمنًا حزمة متكاملة تشمل قطع الغيار والدعم اللوجستي. ووفقًا لشركة KNDS، فإن المنشأة الجديدة ستتولى تجميع ما يصل إلى 41 دبابة من إجمالي الصفقة داخل الأراضي الليتوانية، على أن تُسلم الدبابات إلى القوات المسلحة الليتوانية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2028 و2030، وهو ما يجعل ليتوانيا الدولة الثالثة والعشرين المشغلة لدبابات Leopard 2.
ويعكس المشروع مستوى متقدمًا من التعاون الصناعي بين ليتوانيا وفنلندا وألمانيا، إذ تتولى YIT تنفيذ أعمال البناء، بينما توفر KNDS الخبرة المتعلقة بتجميع الدبابات ودعمها الفني، في حين تستفيد ليتوانيا من المشروع لبناء بنية تحتية صناعية قادرة على خدمة أسطولها المدرع لعقود مقبلة. ويؤكد هذا النموذج أن التعاون الدفاعي الأوروبي لم يعد يقتصر على تصدير المعدات العسكرية، بل أصبح يتجه بصورة متزايدة نحو نقل الخبرات الصناعية وإنشاء مراكز إنتاج وصيانة داخل الدول المستفيدة، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد الدفاعية الأوروبية.
ويمثل إنشاء المنشأة امتدادًا لخطة ليتوانيا الهادفة إلى بناء قطاع دفاعي محلي قادر على دعم القوات المسلحة وقوات الحلفاء المنتشرة على أراضيها. فقد شهدت السنوات الأخيرة توقيع عدد من المشروعات الصناعية مع شركات أوروبية كبرى، شملت إنتاج الذخائر وتطوير البنية التحتية العسكرية، في إطار استراتيجية تستهدف تحويل البلاد إلى قاعدة صناعية ولوجستية متقدمة على الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي، بما يواكب الزيادة المستمرة في حجم القوات والمعدات المنتشرة داخل أراضيها.
يمنح وجود منشأة تجميع وصيانة متخصصة داخل ليتوانيا القوات المسلحة قدرة أكبر على الحفاظ على جاهزية أسطول Leopard 2A8، دون الحاجة إلى نقل الدبابات لمسافات طويلة لإجراء أعمال الصيانة الثقيلة أو التحديثات الفنية. كما يختصر ذلك زمن الإصلاح، ويعزز سرعة إعادة المعدات إلى الوحدات القتالية، وهو عامل يكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة العمليات العسكرية الحديثة التي تعتمد على استدامة الجاهزية أكثر من مجرد امتلاك المعدات.
ولا تقتصر فوائد المشروع على الجيش الليتواني وحده، بل تمتد إلى قوات حلف شمال الأطلسي المنتشرة في المنطقة، خاصة مع استمرار تعزيز الوجود العسكري للحلف في دول البلطيق. فوجود مركز صناعي متقدم لدبابات Leopard 2A8 بالقرب من مسرح العمليات يوفر إمكانات صيانة ودعم فني يمكن الاستفادة منها خلال التدريبات المشتركة أو في حالات الطوارئ، بما يقلل الضغط على المنشآت الصناعية الموجودة في أوروبا الغربية ويمنح الحلف مرونة أكبر في إدارة عملياته على الجبهة الشرقية.
كما يعكس المشروع تحولًا ملحوظًا في مفهوم الأمن الأوروبي، حيث باتت الدول الواقعة على الحدود الشرقية للحلف تسعى إلى امتلاك قدرات صناعية دفاعية محلية بدلًا من الاكتفاء بدور المستهلك للمعدات العسكرية. ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، وضمان استمرار أعمال الصيانة والإنتاج حتى في حال تعرض خطوط النقل أو المنشآت الصناعية التقليدية لضغوط خلال الأزمات أو النزاعات الممتدة.
يمثل المشروع أكثر من مجرد إنشاء مصنع لتجميع الدبابات، إذ يجسد انتقال ليتوانيا إلى مرحلة جديدة من بناء قدراتها الدفاعية، تقوم على الدمج بين التسلح والتصنيع والدعم اللوجستي ضمن منظومة واحدة. كما يعزز هذا التوجه قدرة حلف شمال الأطلسي على الحفاظ على قواته المدرعة في حالة جاهزية عالية بالقرب من حدوده الشرقية، ويؤكد أن الردع العسكري لم يعد يعتمد فقط على نشر الوحدات القتالية، وإنما أيضًا على امتلاك بنية صناعية قادرة على دعم تلك الوحدات بصورة مستدامة.
إن المشروع يمنح KNDS وشركاءها موطئ قدم صناعيًا جديدًا في منطقة البلطيق، ويفتح المجال أمام توسع إضافي في أنشطة تجميع وصيانة دبابات Leopard 2A8 داخل أوروبا الشرقية. كما يعزز الاتجاه الأوروبي نحو توزيع القدرات الصناعية الدفاعية على عدد أكبر من الدول الأعضاء، بما يرفع مرونة الإنتاج ويقلل المخاطر المرتبطة بتركز الصناعات العسكرية في مواقع محدودة. ومن المتوقع أن يشجع هذا النموذج دولًا أخرى على تبني مشروعات مماثلة، تجمع بين شراء المنظومات القتالية وبناء قواعد صناعية محلية تضمن استدامة تشغيلها وتعزز استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي على المدى الطويل.