أخبار: الجيش الأمريكي يمنح Lockheed Martin عقدًا تاريخيًا لتوسيع إنتاج صواريخ PAC-3 MSE

في خطوة تعكس التحول الكبير الذي تشهده برامج الدفاع الجوي الأمريكية، منحت وزارة الحرب الأمريكية شركة Lockheed Martin أكبر عقد في تاريخ برنامج صواريخ PAC-3 Missile Segment Enhancement (PAC-3 MSE)، بقيمة تصل إلى 58.6 مليار دولار، بهدف زيادة إنتاج الصاروخ الاعتراضي الذي يمثل العمود الفقري لمنظومة Patriot، وذلك في إطار خطة طويلة الأمد لتعزيز المخزونات الأمريكية وتلبية الطلب المتزايد من الحلفاء في ظل تصاعد التهديدات الصاروخية عالميًا. ويعد العقد واحدًا من أكبر عقود إنتاج الذخائر الدفاعية التي أبرمتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، ويغطي فترة تمتد من السنة المالية 2026 وحتى 2032.

ويحول الاتفاق الجديد عقدًا أوليًا بقيمة 4.7 مليار دولار كانت Lockheed Martin قد حصلت عليه في أبريل 2026 إلى برنامج إنتاج متعدد السنوات، بما يمنح الشركة رؤية مستقرة طويلة المدى تسمح بتوسيع الطاقة الإنتاجية والاستثمار في خطوط التصنيع وسلاسل الإمداد دون انتظار التعاقدات السنوية التقليدية. ويهدف هذا النهج إلى تسريع وتيرة الإنتاج بصورة غير مسبوقة، بما يضمن توفير آلاف الصواريخ للقوات الأمريكية والدول الحليفة خلال السنوات المقبلة.

ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة لإعادة بناء مخزونها من الذخائر المتطورة، بعد الاستهلاك الكبير لصواريخ الدفاع الجوي خلال العمليات العسكرية الأخيرة، إلى جانب استمرار دعم الحلفاء الذين يعتمدون على منظومة Patriot في مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة. كما يعكس العقد إدراك وزارة الحرب الأمريكية أن الدفاع الجوي أصبح أحد أكثر القطاعات إلحاحًا في خطط إعادة التسلح، مع تزايد الطلب العالمي على الصواريخ الاعتراضية الحديثة.

ويعد PAC-3 MSE أحدث صاروخ اعتراضي ضمن عائلة Patriot، وقد صُمم لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية، وصواريخ كروز، والطائرات، والطائرات المسيّرة، باستخدام تقنية Hit-to-Kill التي تعتمد على الاصطدام المباشر بالهدف بدلًا من الرأس الحربي التقليدي. كما يتميز بمحرك أكثر قوة، وأسطح تحكم مطورة، ومدى وقدرة مناورة أكبر مقارنة بالأجيال السابقة، ما يمنحه قدرة أعلى على التعامل مع الأهداف السريعة والمناورة في المراحل النهائية من مسارها.

وتخطط Lockheed Martin لرفع إنتاج PAC-3 MSE إلى ثلاثة أضعاف مستواه الحالي بحلول عام 2030، بالتوازي مع توسيع منشآتها الصناعية في مدينة Camden بولاية أركنساس، وزيادة القوى العاملة بنحو 50%، إلى جانب ضخ استثمارات تتراوح بين 8 و9 مليارات دولار لتحديث أكثر من عشرين منشأة إنتاج داخل الولايات المتحدة. ويهدف هذا التوسع إلى إزالة الاختناقات الصناعية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، ورفع القدرة على تلبية الطلب الأمريكي والدولي المتزايد على الصاروخ.

ولا يقتصر برنامج التوسع على Lockheed Martin وحدها، إذ تعمل وزارة الحرب الأمريكية بالتوازي مع شركات رئيسية أخرى ضمن سلسلة التوريد، من بينها L3Harris، التي وقعت اتفاقًا لزيادة إنتاج المحركات الصاروخية الخاصة بـ PAC-3 MSE، بما يضمن توفير المكونات الأساسية اللازمة لتحقيق أهداف الإنتاج الجديدة. ويعكس ذلك توجهًا أمريكيًا نحو معالجة الاختناقات الصناعية عبر تطوير سلسلة الإمداد بالكامل، وليس الاكتفاء بزيادة الطاقة الإنتاجية للمقاول الرئيسي فقط.

ويأتي العقد في وقت يشهد فيه برنامج Patriot تطورًا متوازيًا مع مشروع PAC-3 ACE، الذي كشفت عنه Lockheed Martin مؤخرًا باعتباره نسخة منخفضة التكلفة من الصاروخ الحالي، بهدف توفير خيار اقتصادي للتعامل مع بعض التهديدات الجوية، مع الحفاظ على التوافق الكامل مع قواذف M903 الحالية. ويشير ذلك إلى أن الشركة تعمل على توسيع عائلة الصواريخ الاعتراضية لتوفير حلول متنوعة تتناسب مع اختلاف طبيعة التهديدات وتكاليف الاعتراض.

يمنح العقد القوات الأمريكية قدرة أكبر على الحفاظ على جاهزية منظومات Patriot خلال النزاعات الممتدة، مع تقليل مخاطر استنزاف المخزونات نتيجة الاستخدام المكثف. كما يتيح للحلفاء الحصول على الصواريخ بوتيرة أسرع، وهو عامل أصبح بالغ الأهمية في ظل الارتفاع غير المسبوق في الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي بعيدة ومتوسطة المدى، خاصة بعد أن أثبتت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أنها تشكل أحد أبرز التهديدات في النزاعات الحديثة.

كما يعكس هذا العقد تحولًا جذريًا في فلسفة المشتريات العسكرية الأمريكية، حيث لم تعد وزارة الحرب الأمريكية تركز على شراء المعدات فحسب، بل أصبحت تستثمر في بناء طاقة إنتاجية مستدامة قادرة على دعم أي مواجهة طويلة الأمد. كما يؤكد أن واشنطن باتت تنظر إلى القاعدة الصناعية الدفاعية باعتبارها عنصرًا من عناصر الردع الاستراتيجي، وأن امتلاك القدرة على إنتاج آلاف الصواريخ بسرعة لا يقل أهمية عن امتلاك الصواريخ نفسها، خاصة في ظل المنافسة المتصاعدة مع القوى الكبرى وتزايد احتمالات اندلاع نزاعات متعددة المسارح في الوقت نفسه.

العقد يمثل دفعة غير مسبوقة لشركة Lockheed Martin وللقاعدة الصناعية الأمريكية بأكملها، إذ يضمن استثمارات ضخمة في خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد حتى عام 2032، ويشجع الموردين على توسيع قدراتهم التصنيعية استنادًا إلى طلب طويل الأجل. كما من المتوقع أن يدفع هذا البرنامج شركات أخرى إلى زيادة استثماراتها في قطاع الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، في ظل الطلب العالمي المتنامي على هذه المنظومات، وهو ما يعزز مكانة الولايات المتحدة كمركز رئيسي لإنتاج أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة خلال العقد المقبل.