بدأت النرويج تشغيل أول منظومة متخصصة لديها لمكافحة الطائرات غير المأهولة، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من التهديد الذي تمثله المسيّرات الصغيرة ضد القواعد العسكرية والبنية التحتية الحساسة. وجاء إدخال منظومة Counter-Unmanned Aerial System أو C-UAS إلى الخدمة في وقت أصبحت فيه الطائرات التجارية والمسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة أحد أكثر التهديدات تعقيدا بالنسبة إلى الجيوش الحديثة، بعدما أثبتت قدرتها على تجاوز الفجوة التقليدية بين تكلفة وسيلة الهجوم وقيمة الهدف الذي يمكن أن تهدده.
وأعلنت وسائل إعلام نرويجية أن المنظومة الجديدة دخلت الخدمة في قاعدة جوية تقع بالقرب من مدينة Trondheim، حيث من المنتظر أيضا أن تستقبل القوات الجوية الملكية النرويجية مقاتلات F-35. ويمنح هذا الاختيار المشروع أهمية عملياتية خاصة، إذ لا يتعلق الأمر بحماية منشأة عسكرية تقليدية فحسب، بل بالدفاع عن بنية جوية تضم أو ستضم أصولا قتالية مرتفعة القيمة، يمكن أن تصبح عرضة للاستطلاع أو التخريب أو الهجمات المباشرة التي تنفذها طائرات صغيرة ومنخفضة التكلفة.
وتستند المنظومة الجديدة إلى مفهوم دفاعي متكامل يتيح لها اكتشاف الأهداف غير المأهولة والتعرف عليها والتعامل معها بصورة مستقلة، ما يمثل انتقالا مهما من الاعتماد على الوسائل الدفاعية التقليدية إلى بناء شبكة مخصصة لمواجهة فئة تهديد تختلف جذريا عن الطائرات المأهولة أو الصواريخ التقليدية. فالطائرات الصغيرة تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة، وقد تكون صغيرة بما يكفي لتعقيد عملية اكتشافها وتمييزها، كما يمكن إطلاقها من مسافات قريبة بتكلفة محدودة، وهو ما يفرض على القوات المسلحة تطوير وسائل اعتراض تتناسب مع طبيعة التهديد.
وتظهر الصور المنشورة للمنظومة دمج منصة الإطلاق HAL10، التي تطورها الشركة البريطانية ISS Aerospace، ضمن منظومة C-UAS النرويجية. وتستطيع منصة HAL10 إطلاق عشرة مؤثرات أو وسائل اعتراض مضادة للمسيّرات بصورة متتابعة وسريعة، ما يمنح المنظومة قدرة على التعامل مع أكثر من تهديد خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصا في السيناريوهات التي قد تعتمد على إطلاق عدة طائرات غير مأهولة ضد الهدف نفسه.
وتتجه النرويج إلى استخدام المنظومة بصورة أساسية في حماية القواعد العسكرية والمواقع الحيوية ضد التهديدات التي تندرج ضمن فئة Class 1، وهي الطائرات غير المأهولة التي يصل وزنها إلى نحو 150 كيلوجراما. وتمثل هذه الفئة تحديا متزايدا للقوات المسلحة، لأنها تضم نطاقا واسعا من المنصات التي يمكن استخدامها في الاستطلاع وجمع المعلومات، أو في حمل ذخائر وعبوات متفجرة، أو في تنفيذ هجمات انتحارية مباشرة ضد منشآت وأصول عسكرية حساسة.
وتكتسب حماية القواعد الجوية أهمية متزايدة في ضوء التطورات التي شهدتها ساحات القتال خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الطائرات غير المأهولة قادرة على تهديد الطائرات المقاتلة وهي على الأرض، ومهاجمة مستودعات الذخيرة والوقود ومراكز القيادة ومنظومات الرادار. وفي كثير من الحالات، لا تحتاج القوة المهاجمة إلى امتلاك أسطول جوي متقدم لتحقيق تأثير كبير، إذ قد يؤدي استخدام عدد محدود من المسيّرات منخفضة التكلفة إلى تعطيل عمليات قاعدة جوية أو إجبارها على تعليق نشاطها مؤقتا.
ويبرز هذا التهديد بصورة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بمقاتلات F-35، التي تمثل واحدة من أكثر المنصات الجوية تقدما وكلفة في القوات الجوية الغربية. فاستهداف طائرة مقاتلة وهي على الأرض لا يتطلب اختراق شبكة الدفاع الجوي المعقدة نفسها التي ستواجه المهاجم أثناء محاولة إسقاطها في الجو. ولهذا أصبحت حماية القواعد الجوية جزءا أساسيا من مفهوم حماية القوة، خاصة مع انتشار المسيّرات التي يمكن تشغيلها على ارتفاعات منخفضة ومن مسافات يصعب في بعض الحالات التنبؤ بها مسبقا.
وجاء تسريع الاهتمام النرويجي بهذا النوع من القدرات في ظل تزايد التقارير الأوروبية حول رصد طائرات غير مأهولة بالقرب من المطارات والمنشآت الحساسة. وأدت بعض هذه الوقائع إلى تعليق الحركة الجوية وإغلاق مطارات في النرويج والدنمارك لساعات، ما تسبب في اضطرابات واسعة في العمليات الجوية. ويكشف هذا النوع من الحوادث أن خطر المسيّرات لم يعد مقتصرا على بيئات القتال، بل أصبح تحديا أمنيا وعسكريا يفرض نفسه على المطارات المدنية والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية.