أخبار: بريطانيا تختار ثلاث شركات لتطوير طائرات اعتراضية منخفضة التكلفة لمواجهة تهديد المسيّرات

اختارت وزارة الدفاع البريطانية ثلاث شركات لتطوير طائرات اعتراضية منخفضة التكلفة لمواجهة الطائرات المسيّرة، ضمن برنامج أوروبي يهدف إلى توفير حلول دفاع جوي اقتصادية وفعالة في مواجهة التهديدات الجوية المتزايدة.

اتخذت المملكة المتحدة خطوة جديدة لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديد المتنامي للطائرات المسيّرة، بعدما أعلنت وزارة الدفاع البريطانية اختيار ثلاث شركات دفاعية لتطوير جيل جديد من الطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة، في إطار برنامج يستهدف توفير وسيلة اقتصادية وعالية الكفاءة لاعتراض الطائرات بدون طيار، في ظل تزايد استخدام هذا النوع من التهديدات في النزاعات الحديثة. وتبلغ القيمة الإجمالية للعقود نحو 3.14 مليون جنيه إسترليني (نحو 4.22 مليون دولار)، في مرحلة أولية مخصصة لتطوير النماذج الأولية واختبار المفاهيم التشغيلية.

وتأتي هذه العقود ضمن مبادرة أوروبية مشتركة لتعزيز قدرات الدفاع الجوي قصير المدى ضد الطائرات المسيّرة، حيث أصبحت بريطانيا أول دولة من بين الدول المشاركة في البرنامج تبدأ فعلياً في إسناد عقود التطوير إلى القطاع الصناعي، في مؤشر واضح على تسارع الجهود الأوروبية لبناء حلول دفاعية منخفضة التكلفة قادرة على مواجهة الطائرات الانتحارية والطائرات التجارية المعدلة التي أصبحت تشكل تحدياً متزايداً للقوات المسلحة.

ووفقاً لوزارة الدفاع البريطانية، جرى اختيار ثلاث شركات متخصصة لتطوير نماذج مختلفة من الطائرات الاعتراضية، على أن تتنافس فيما بينها لإنتاج منظومة قادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة المعادية بسرعة وكفاءة، مع الحفاظ على تكلفة تشغيل وإنتاج منخفضة مقارنة بمنظومات الدفاع الجوي التقليدية. ويهدف البرنامج إلى توفير حل يمكن إنتاجه بكميات كبيرة واستخدامه ضد أسراب الطائرات المسيّرة دون استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الثمن.

ويعكس المشروع تحولاً ملحوظاً في فلسفة الدفاع الجوي الحديثة، إذ أثبتت النزاعات الأخيرة أن استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ قيمة الواحد منها مئات الآلاف أو ملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات يمثل معادلة غير مستدامة اقتصادياً. ومن هنا برزت الحاجة إلى تطوير طائرات اعتراضية صغيرة يمكنها مطاردة الهدف والاصطدام به أو تدميره بكلفة منخفضة، بما يحقق توازناً أفضل بين تكلفة التهديد وتكلفة مواجهته.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن البرنامج يركز على تطوير منصات اعتراضية تتمتع بسرعة استجابة عالية وقدرة على العمل في مختلف الظروف الجوية، مع إمكانية دمجها ضمن شبكات القيادة والسيطرة وأنظمة كشف الطائرات المسيّرة الموجودة بالفعل لدى القوات المسلحة البريطانية. كما يُنتظر أن تعتمد هذه المنظومات على مستويات مرتفعة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بما يسمح لها باكتشاف الهدف واعتراضه خلال فترة زمنية قصيرة، مع تقليل العبء على المشغلين.

ويكتسب المشروع أهمية خاصة في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، التي أظهرت أن الطائرات المسيّرة الانتحارية منخفضة التكلفة أصبحت قادرة على استنزاف منظومات الدفاع الجوي التقليدية وإجبارها على استخدام ذخائر مرتفعة الثمن. كما أبرزت العمليات الأخيرة في الشرق الأوسط الحاجة إلى امتلاك طبقة دفاعية إضافية مخصصة حصرياً للتعامل مع الطائرات المسيّرة، بما يحافظ على مخزون الصواريخ الاعتراضية المتطورة المخصصة لمواجهة الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.

يمنح البرنامج دفعة قوية لشركات التكنولوجيا الدفاعية البريطانية، ويؤكد توجه لندن نحو إشراك الشركات الناشئة والمؤسسات المتخصصة في تطوير حلول مبتكرة لمواجهة التهديدات الجديدة. ويعكس ذلك تحولاً في سياسة المشتريات العسكرية البريطانية، التي باتت تمنح مساحة أكبر للمشروعات سريعة التطوير والقابلة للإنتاج الكمي، بدلاً من الاعتماد فقط على البرامج الدفاعية التقليدية طويلة الأمد.

كما يحمل المشروع بعداً أوروبياً مهماً، إذ يمثل جزءاً من جهود أوسع لتطوير منظومات دفاع جوي منخفضة التكلفة داخل القارة، في ظل تنامي الطلب على حلول قادرة على حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية والبنية التحتية من الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة. ومن المتوقع أن تسهم نتائج البرنامج البريطاني في وضع معايير جديدة لتطوير هذا النوع من الأنظمة داخل الدول الأوروبية المشاركة، مع إمكانية تبني الحلول الناجحة على نطاق أوسع داخل حلف شمال الأطلسي.

يعكس البرنامج تحولاً جذرياً في مفهوم الدفاع الجوي، حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بامتلاك أكثر الصواريخ تطوراً، وإنما أيضاً بالقدرة على توفير وسائل اعتراض منخفضة التكلفة يمكن استخدامها بكثافة ضد أسراب الطائرات المسيّرة. فالمعادلة الاقتصادية أصبحت جزءاً أساسياً من معادلات الردع العسكري، وهو ما يدفع الدول إلى الاستثمار في طبقات دفاعية جديدة تعتمد على الطائرات الاعتراضية غير المأهولة والذكاء الاصطناعي إلى جانب أنظمة الليزر والحرب الإلكترونية. وإذا نجحت الشركات الثلاث في تطوير حلول فعالة، فقد يصبح البرنامج البريطاني نموذجاً تحتذي به العديد من الدول الساعية إلى بناء دفاع جوي أكثر استدامة في مواجهة أحد أسرع التهديدات تطوراً في ساحات القتال الحديثة.