تتجه الولايات المتحدة إلى تطوير جيل أكثر تكاملًا من منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة، يجمع بين مراقبة الطيف الكهرومغناطيسي والذكاء الاصطناعي والتعرف البصري متعدد المستشعرات، في محاولة للتعامل مع تهديد جوي يتطور بصورة أسرع من قدرات الكشف التقليدية. وفي هذا السياق، منحت U.S. Army شركة Xtremis عقدًا للبحث والتطوير بقيمة 46.8 مليون دولار لتطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف وتتبع وتوصيف الطائرات المسيّرة التي تغير ترددات الاتصال أثناء الطيران، وهي خاصية يمكن أن تجعل رصدها والتعامل معها أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى أنظمة المراقبة المعتمدة على الترددات الراديوية وحدها. ويُعرف البرنامج باسم Augur Shield، ويتضمن تطوير بنية RF DevOps قادرة على جمع البيانات من شبكة من المستشعرات متعددة المجالات وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.
ويكتسب البرنامج أهمية خاصة لأن Augur Shield لا يمثل في مرحلته الحالية شراء منظومة جاهزة لمكافحة الطائرات المسيّرة، وإنما مشروع بحث وتطوير تطبيقي يهدف إلى تطوير واختبار أساليب جديدة للكشف الكهرومغناطيسي. وتبحث U.S. Army من خلاله في كيفية الجمع بين شبكات مستشعرات الترددات الراديوية ونماذج الذكاء الاصطناعي لتحسين اكتشاف الطائرات المسيّرة التي تغير أساليب أو ترددات الاتصال بسرعة. ويتضمن العقد خيارين لتمديد العمل، بما يشير إلى أن البرنامج مصمم ليكون مسارًا بحثيًا يمكن تطويره تدريجيًا بدل الانتقال مباشرة إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل واسع النطاق.
وتكمن الفكرة الأساسية في أن الطائرة المسيّرة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون مرئية بصريًا حتى تترك أثرًا يمكن رصده في المجال الكهرومغناطيسي. فعندما تستخدم المنصة غير المأهولة وصلات اتصال أو تبادل بيانات مع محطة تحكم، يمكن لمستشعرات الترددات الراديوية التقاط بعض الإشارات المرتبطة بهذا النشاط وتحليل خصائصها. لكن المشكلة الحديثة تتمثل في أن بعض الطائرات المسيّرة يمكنها استخدام بروتوكولات اتصال مختلفة أو تغيير الترددات أو تعديل سلوكها الاتصالي، وهو ما يجعل الاعتماد على بصمة ثابتة أكثر صعوبة. ولهذا يركز Augur Shield على تطوير نماذج قادرة على تحليل الأنماط بدل البحث عن إشارة واحدة ثابتة، بما يسمح للنظام بالتعامل بصورة أكثر مرونة مع بيئة كهرومغناطيسية متغيرة.
وتعتمد Xtremis في هذا الاتجاه على خبرتها السابقة في مراقبة وإدارة الطيف الكهرومغناطيسي، حيث تطور الشركة بنى تجمع بين مستشعرات الترددات الراديوية الموزعة وموارد الحوسبة والخوارزميات لإنتاج صورة آنية للنشاط الكهرومغناطيسي داخل منطقة محددة. ويستند Augur Shield إلى تقنيات سابقة طورتها الشركة، من بينها Advanced Dynamic Spectrum Reconnaissance (ADSR)، التي صممت لمساعدة شبكات الاتصالات اللاسلكية على مراقبة بيئتها الكهرومغناطيسية والتكيف معها. وكانت U.S. Army قد اختبرت ADSR في وقت سابق مع جنود من الفرقة 101 المحمولة جوًا، حيث ارتبط الاستخدام آنذاك بمراقبة التشويش وتقليل الانبعاثات الراديوية التي يمكن للخصم اكتشافها واستغلالها. أما الآن، فيجري توجيه الخبرة نفسها بصورة أكبر نحو مشكلة الطائرات المسيّرة.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي داخل هذه المنظومة؛ فهو لا يحل محل مستشعر الترددات الراديوية، وإنما يعمل على معالجة الكميات المتزايدة من البيانات التي تجمعها المستشعرات وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام العسكري. وتسمح الخوارزميات بتحليل الأنماط المتكررة، ومقارنة التغيرات في النشاط الكهرومغناطيسي، ومحاولة التمييز بين الإشارات ذات الصلة بالتهديدات الجوية وغير المرتبطة بها. وتصبح هذه القدرة أكثر أهمية في بيئة تحتوي على عدد كبير من مصادر الإرسال، لأن المشكلة لا تكمن فقط في اكتشاف إشارة، وإنما في تحديد ما إذا كانت هذه الإشارة مرتبطة بطائرة مسيّرة فعلية، وما طبيعة النشاط الذي تمثله، وكيف يمكن ربطها بمعلومات مستشعرات أخرى.
لكن الكشف الكهرومغناطيسي لا يمثل بمفرده حلًا شاملًا لمشكلة الطائرات المسيّرة، لأن فعاليته ترتبط بوجود نشاط راديوي يمكن رصده. فإذا كانت المنصة غير المأهولة تعمل بطريقة تقلل انبعاثاتها أو تعتمد على أساليب تحكم لا توفر بصمة راديوية واضحة، تصبح المستشعرات الكهرومغناطيسية أقل قدرة على اكتشافها. ولهذا تبرز أهمية دمجها مع وسائل كشف أخرى، وفي مقدمتها الرادارات والمستشعرات الكهروبصرية والحرارية، بحيث لا يعتمد النظام على نوع واحد من المعلومات لتكوين صورة عن التهديد الجوي.
وفي الجانب الآخر من معادلة الكشف، تبرز تقنيات التعرف البصري المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن بينها MEGA التي طورتها الشركة البلجيكية IDDEA. وتستخدم هذه التقنية خوارزميات للتعرف على المعدات العسكرية من الصور أو مقاطع الفيديو، مع ربط المعلومات المرئية بقاعدة بيانات منظمة للمنصات العسكرية. ولا يقتصر الهدف على تحديد وجود جسم في الصورة، وإنما محاولة تحديد نوع المنصة وطرازها أو نسختها، ثم توفير معلومات تقنية وتشغيلية مرتبطة بها. ويعتمد النظام على تدريب الخوارزميات على الخصائص المرئية مثل شكل البرج، وتكوين الهيكل، وترتيب العجلات أو الجنزير، والتسليح والمستشعرات، والبنية العامة للمنصة.
وتتوسع IDDEA في استخدام MEGA من التعرف على المعدات البرية إلى الطائرات والطائرات المسيّرة، وهو تطور مهم بالنسبة إلى منظومات مكافحة الطائرات بدون طيار، لأن اكتشاف جسم جوي لا يمثل سوى الخطوة الأولى في سلسلة الاستجابة. فقد يكون الهدف طائرة استطلاع صغيرة، أو ذخيرة جوالة، أو طائرة مسيّرة هجومية، أو منصة أكبر مخصصة لمهام الاستطلاع بعيدة المدى. كما أن تحديد الحمولة قد يكون في بعض الحالات أكثر أهمية من معرفة الطراز الدقيق للطائرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطائرات FPV يتم تجميعها محليًا أو تعديلها باستخدام مكونات تجارية، بما يجعل تحديد نموذج محدد لها أكثر صعوبة. وفي هذه الحالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحاول التعرف على وجود قنبلة أو قذيفة أو شحنة متفجرة أو سلاح مثبت على المنصة، بما يساعد في تقدير مستوى التهديد.
وتتميز MEGA كذلك بإمكانية العمل بصورة مستقلة عن الإنترنت، إذ يمكن تحميل قاعدة البيانات والخوارزميات مسبقًا على العتاد، بحيث تتم عملية التعرف محليًا دون الحاجة إلى إرسال الصور إلى خادم بعيد أو الاعتماد على البنية السحابية. وهذه الخاصية تحمل أهمية عسكرية واضحة، لأن الأنظمة القتالية العاملة في بيئات متنازع عليها قد لا تمتلك اتصالًا دائمًا بالشبكات الخارجية، كما أن إرسال الصور والبيانات إلى بنية سحابية يمكن أن يخلق متطلبات أمنية واتصالية إضافية. ولذلك فإن القدرة على تنفيذ التحليل محليًا تمنح النظام مرونة أكبر في البيئات التي تتعرض فيها شبكات الاتصال للتشويش أو الانقطاع.
وتوضح المقارنة بين Augur Shield وMEGA أن مستقبل مكافحة الطائرات المسيّرة يتجه نحو بناء سلسلة متعددة المراحل تبدأ بالكشف، ثم التصنيف والتعرف، ثم التتبع وتحديد الأولوية، وأخيرًا اختيار وسيلة الاستجابة المناسبة. ويمكن لمستشعرات الترددات الراديوية أن توفر إنذارًا أوليًا عن نشاط كهرومغناطيسي محتمل، ثم توجيه مستشعرات أخرى إلى المنطقة المعنية، بينما تستطيع الكاميرات الكهروبصرية أو الحرارية تحليل الجسم الجوي بصورة أكثر تفصيلًا إذا سمحت الظروف البيئية ومدى الاستشعار بذلك. أما الرادار فيوفر طبقة مختلفة من الكشف لا تعتمد على وجود انبعاثات راديوية من الهدف، وإن كانت الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة الارتفاع قد تشكل تحديًا بسبب صغر بصمتها وتشابهها أحيانًا مع الأجسام أو الضوضاء المحيطة.
ويعني ذلك أن المعركة التقنية لم تعد تدور فقط حول تطوير مستشعر أكثر قوة، وإنما حول قدرة منظومة القيادة والسيطرة على دمج البيانات القادمة من مصادر مختلفة وتحويلها بسرعة إلى قرار. فإذا التقط مستشعر RF نشاطًا مشبوهًا، ثم أكدت الكاميرا وجود طائرة مسيّرة، وتمكن الذكاء الاصطناعي من تصنيفها وتقدير طبيعة حمولتها، يصبح لدى المشغل مستوى أعلى من المعلومات لاتخاذ القرار. وهذا التحول من "الكشف" إلى "الفهم" يمثل أحد أهم الاتجاهات في تطوير منظومات Counter-UAS الحديثة، لأن كثافة التهديدات الجوية الصغيرة تجعل التعامل معها يدويًا بصورة منفصلة أكثر صعوبة كلما ارتفع عدد الأهداف وسرعة وصولها.
يعكس برنامج Augur Shield تحولًا مهمًا في تصور الجيش الأمريكي لمشكلة الطائرات المسيّرة. فالتحدي لم يعد مرتبطًا فقط بانتشار طائرات منخفضة التكلفة، وإنما بتطور قدرتها على تغيير أساليب الاتصال والعمل ضمن بيئات كهرومغناطيسية معقدة. وهذا يدفع الجيوش إلى الاستثمار في أنظمة قادرة على التعلم والتكيف مع التهديد بدل الاعتماد على قواعد بيانات ثابتة أو بصمات معروفة مسبقًا. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الطيف الكهرومغناطيسي يفتح الباب أمام أتمتة جزء كبير من عمليات المراقبة، وتقليل العبء على المشغلين، وتحسين سرعة الانتقال من اكتشاف الإشارة إلى تحديد طبيعة التهديد.
وتزداد أهمية هذا الاتجاه مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة في ساحات القتال الحديثة، حيث لم تعد المنصات غير المأهولة مقتصرة على الاستطلاع، وإنما أصبحت تستخدم في مهام الهجوم، وتوجيه النيران، والمراقبة، والحرب الإلكترونية، وحمل الذخائر. وفي المقابل، أصبحت بعض الطائرات المسيّرة صغيرة الحجم ومنخفضة التكلفة بما يجعل استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن ضدها خيارًا غير اقتصادي في كثير من الحالات. ولذلك تحتاج منظومات الدفاع الحديثة إلى طبقات متعددة تتناسب فيها وسيلة الاعتراض مع قيمة التهديد، بحيث يمكن تخصيص وسائل منخفضة التكلفة للأهداف الصغيرة، مع الاحتفاظ بمنظومات الدفاع الجوي الأعلى تكلفة للتهديدات الأكثر تعقيدًا.