استعرضت Saab في المملكة المتحدة قدرة جديدة لشبكة رادارات موزعة جغرافيًا على مواصلة العمل وتبادل بيانات التتبع دون الاعتماد على GPS كمصدر للتزامن، في عرض وصفته الشركة بأنه يمثل قدرة هي الأولى من نوعها. وجمعت التجربة بين Saab UK وAquark Technologies وDisruptive Capabilities and Technologies Office (DCTO) التابع للبحرية الملكية البريطانية، بهدف إظهار قدرة شبكة رادارية على الحفاظ على التنسيق بين عقدها المختلفة في ظروف تحاكي حرمانها من خدمات GNSS أو تعرضها للتشويش والخداع.
واعتمد العرض على رادار Giraffe 1X من Saab مقترنًا بتقنية التوقيت الكمومي AQlock من Aquark Technologies، حيث جرى نشر عدة رادارات في مواقع منفصلة، ثم تشغيلها ضمن شبكة واحدة لدمج بيانات التتبع وإنتاج صورة جوية موحدة. وتمكنت الشبكة خلال العرض من اكتشاف وتتبع أهداف حية ودمج المعلومات الواردة من الرادارات المختلفة، بما أظهر أهمية توفير مرجع زمني مشترك ودقيق بين عقد الاستشعار المتباعدة.
وتتمثل الفكرة الأساسية في معالجة إحدى نقاط الضعف التي تواجه شبكات الاستشعار الحديثة، إذ تعتمد الرادارات والمستشعرات الموزعة عادةً على إشارات GNSS للحصول على التوقيت والمزامنة. وفي حال تعرض هذه الإشارات للتشويش أو الخداع، يمكن أن تفقد العقد المختلفة التزامن المطلوب لتبادل بياناتها ودمجها بصورة صحيحة، حتى لو ظلت الرادارات نفسها قادرة على اكتشاف الأهداف.
ولهذا ركز العرض البريطاني على فصل عملية التزامن عن الاعتماد المباشر على إشارات الأقمار الصناعية، باستخدام تقنية توقيت كمومي توفر لكل عقدة مرجعًا زمنيًا بالغ الدقة. والهدف ليس استبدال الرادارات أو تغيير طريقة عملها الأساسية، وإنما جعل الشبكة التي تربط بينها أكثر قدرة على الاستمرار في بيئة تتعرض فيها خدمات الملاحة والتوقيت الفضائية للهجوم الإلكتروني.
وخلال العرض، جرى تعمد تعطيل تزامن الشبكة، ما أدى إلى انخفاض يمكن التنبؤ به في مستوى الأداء، قبل أن تستعيد المنظومة قدراتها سريعًا بعد استعادة التزامن. كما واصلت الشبكة العمل في ظروف تحاكي حرمانها من GNSS والتعرض لخداع الإشارات، بما أظهر الدور المحتمل للتوقيت الكمومي في الحفاظ على التنسيق بين الرادارات عندما تصبح إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية غير موثوقة.
وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة بالنسبة إلى شبكات الدفاع الجوي التي تعتمد على توزيع الرادارات والمستشعرات بدل وضع جميع قدرات الكشف في موقع واحد. فالرادارات المتباعدة يمكنها توسيع نطاق التغطية وتقليل احتمالات تعطيل الشبكة بالكامل بضربة واحدة، لكن تحقيق هذه الميزة يتطلب أن تتمكن العقد المختلفة من تبادل بياناتها في إطار زمني متزامن.
فعندما يرصد راداران الهدف نفسه من موقعين مختلفين، تحتاج منظومة القيادة والسيطرة إلى مطابقة البيانات الواردة من كل منهما وتحديد أنها تخص الهدف نفسه. وأي خلل في التوقيت قد يؤثر في دقة عملية دمج المسارات، خصوصًا عندما تتعامل الشبكة مع أهداف سريعة مثل الطائرات والصواريخ والذخائر أو حتى الطائرات المسيّرة الصغيرة.
ويقدم AQlock في هذا السياق مصدرًا مستقلًا للتوقيت، إذ تعتمد التقنية على ساعة ذرية تعمل بالذرات الباردة، حيث تستخدم ذرات جرى تبريدها إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق كمرجع عالي الدقة للذبذبات الزمنية. ويساعد هذا التصميم على تقليل الانحراف طويل الأمد مقارنة ببعض مصادر التوقيت التقليدية، وهو ما يجعله مناسبًا للتطبيقات التي تتطلب الحفاظ على تزامن دقيق لفترات طويلة.
أما Giraffe 1X فهو رادار مراقبة ثلاثي الأبعاد مدمج مخصص للدفاع الجوي الأرضي، والدفاع الجوي قصير المدى، ومهام مكافحة الطائرات المسيّرة. ويزن النظام أقل من 150 كيلوجرامًا، ويمكنه اكتشاف وتتبع مجموعة واسعة من التهديدات، تشمل الطائرات والمروحيات والصواريخ والقذائف الصاروخية وقذائف المدفعية والهاون والطائرات المسيّرة الصغيرة.
وتمنح خفة Giraffe 1X مرونة كبيرة في نشره، إذ يمكن نقله بواسطة شاحنة صغيرة، أو بواسطة مروحية، أو سحبه على مقطورة. وهذا يجعله مناسبًا للعمل ضمن شبكات استشعار موزعة يمكن تغيير مواقع عقدها وفق تطورات المعركة، بدل الاعتماد على مواقع رادارية ثابتة يسهل تحديدها واستهدافها.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين Giraffe 1X وAQlock؛ فالرادار يوفر قدرة الكشف والتتبع، بينما توفر تقنية التوقيت الكمومي عنصرًا يساعد على إبقاء الرادارات المختلفة متزامنة عند العمل كشبكة واحدة.
ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في مفهوم تصميم شبكات الدفاع الجوي. فالقيمة لم تعد مرتبطة فقط بمدى الرادار أو قدرته على اكتشاف الأهداف الصغيرة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة عدة مستشعرات على العمل كمنظومة واحدة تحت ظروف التشويش والحرب الإلكترونية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع انتشار وسائل الحرب الإلكترونية القادرة على تعطيل إشارات GNSS أو التلاعب بها. فالتشويش يمكن أن يمنع المستقبل من الاعتماد على الإشارة الفضائية، بينما يمكن للخداع الإلكتروني تقديم بيانات زائفة توهم النظام بأنه يستقبل معلومات صحيحة. وفي الحالتين، يصبح امتلاك مصدر مستقل للتوقيت وسيلة لتقليل الاعتماد على أحد المكونات المعرضة للهجوم.
ولا تعني هذه التكنولوجيا أن الرادارات أصبحت غير قابلة للتأثر بالحرب الإلكترونية. فالاتصالات بين العقد، وأنظمة القيادة والسيطرة، وقنوات نقل البيانات، ومكونات الرادار نفسها تظل بحاجة إلى وسائل حماية ومقاومة للتشويش. لكن توفير مصدر توقيت مستقل يزيل إحدى نقاط الضعف المهمة من بنية الشبكة.