بدأت الهند تحركًا رسميًا للانضمام إلى برنامج Future Combat Air System (FCAS) الفرنسي لتطوير منظومة قتالية جوية من الجيل السادس، في خطوة تعكس طموح نيودلهي للحصول على موطئ قدم في واحدة من أكثر مشروعات الطيران العسكري تقدمًا على مستوى العالم. وأكدت وزارة الدفاع الهندية في تقرير قُدم إلى اللجنة البرلمانية الدائمة للدفاع في 7 أغسطس 2026 أنها بدأت جهودًا منسقة للانضمام إلى برنامج تطوير مقاتلات الجيل السادس الذي تقوده فرنسا، بعد أن كانت الهند قد درست في وقت سابق خيارات الانضمام إلى كل من FCAS وGlobal Combat Air Programme (GCAP). ويأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للهند، التي تواجه في الوقت نفسه نقصًا كبيرًا في أسراب المقاتلات، وتعمل على تطوير مقاتلة الجيل الخامس Advanced Medium Combat Aircraft (AMCA)، وتسعى إلى تعزيز أسطولها من Rafale.
وتكتسب الخطوة الهندية أهمية إضافية بسبب التحولات التي طرأت على برنامج FCAS نفسه خلال عام 2026، بعدما أنهت فرنسا وألمانيا في 8 يونيو التعاون المشترك في تطوير المقاتلة المأهولة الرئيسية للبرنامج، نتيجة خلافات متراكمة حول قيادة المشروع، وتقاسم حصص العمل الصناعية، وحقوق الملكية الفكرية. وكانت إسبانيا قد انضمت إلى البرنامج عام 2019، بعد إطلاق التعاون الفرنسي الألماني عام 2017، وكان الهدف الأصلي تطوير منظومة جوية متكاملة تحل تدريجيًا محل مقاتلات Rafale الفرنسية وEurofighter الأوروبية اعتبارًا من أربعينيات القرن الحالي. إلا أن الخلافات الصناعية بين Dassault Aviation وAirbus وصلت إلى مرحلة حالت دون استمرار الشراكة في تطوير المقاتلة نفسها، مع بقاء إمكانية مواصلة بعض عناصر التعاون في منظومة القتال الشبكية.
وفي صيغته الأصلية، لم يكن FCAS مجرد مشروع لتطوير مقاتلة جديدة، وإنما منظومة قتالية متكاملة تقوم على مفهوم "نظام من الأنظمة"، تتمحور حول مقاتلة مأهولة تعرف باسم New Generation Fighter (NGF)، وتعمل إلى جانب طائرات غير مأهولة تعرف باسم Remote Carriers، ضمن شبكة قيادة وسيطرة واتصال تعرف باسم Combat Cloud. ويهدف هذا المفهوم إلى ربط المقاتلات والطائرات غير المأهولة وأجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والأسلحة في شبكة واحدة قادرة على مشاركة البيانات بصورة لحظية، بما يسمح بتوزيع مهام الاستطلاع والاستهداف والهجوم والحرب الإلكترونية بين عدد كبير من المنصات بدل الاعتماد على المقاتلة المأهولة باعتبارها العنصر الوحيد في تنفيذ المهمة.
وكانت Dassault Aviation تتولى قيادة تطوير NGF، بينما اضطلعت Airbus بدور صناعي رئيسي في Remote Carriers وCombat Cloud، مع مشاركة Safran وMTU Aero Engines في مجال المحركات، ودور رئيسي لـ Indra في أنظمة الاستشعار. وكان البرنامج يستهدف تطوير نماذج تجريبية خلال النصف الثاني من العقد الحالي، مع ربط دخول المنظومة الخدمة بأفق عام 2040. إلا أن الخلافات حول من يمتلك السلطة التصميمية للمقاتلة ونسبة المشاركة الصناعية والملكية الفكرية جعلت الجدول الزمني الأصلي أكثر صعوبة، قبل أن ينتهي التعاون الفرنسي الألماني في المقاتلة في يونيو 2026.
وتأتي الرغبة الهندية في الانضمام إلى البرنامج في ظل حاجة ملحة إلى معالجة فجوة عددية في القوة الجوية. ووفق البيانات الواردة في التقرير، تشغل القوات الجوية الهندية حاليًا نحو 29 سربًا مقاتلًا مقابل هيكل معتمد يبلغ 42 سربًا، ما يعني وجود عجز يصل إلى 13 سربًا. وتزداد الضغوط مع اقتراب عدد كبير من مقاتلات Jaguar الهندية من نهاية عمرها التشغيلي، إذ يُتوقع تقاعد نحو 110 إلى 120 طائرة منها تدريجيًا بين عام 2028 ومنتصف ثلاثينيات القرن الحالي، وهو ما يفرض على نيودلهي إيجاد حلول مرحلية قبل أن تتمكن مقاتلة الجيل السادس من الوصول إلى مرحلة التشغيل الفعلي.
ولهذا السبب لا يمثل FCAS حلًا مباشرًا لأزمة عدد الأسراب الهندية، إذ إن دخول مقاتلة من الجيل السادس إلى الخدمة لا يزال بعيدًا زمنيًا، بينما تحتاج القوات الجوية الهندية إلى منصات متاحة خلال السنوات القليلة المقبلة. وفي هذا السياق تعمل الهند بالتوازي على زيادة قدراتها من Rafale، إلى جانب استمرار برنامج Tejas وتطوير AMCA. وكانت وزارة الدفاع الهندية قد وافقت في فبراير 2026 على احتياجات شراء طائرات مقاتلة متعددة المهام، مع التأكيد على أن الجزء الأكبر من الطائرات سيتم تصنيعه داخل الهند، بما يتماشى مع سياسة تعزيز الإنتاج المحلي.
ويمثل برنامج AMCA تحديدًا عنصرًا بالغ الأهمية في الحسابات الهندية، لأنه يستهدف منح البلاد قدرة سيادية على تطوير مقاتلة من الجيل الخامس، ويشمل العديد من التقنيات التي تتقاطع بصورة مباشرة مع متطلبات مقاتلات الجيل السادس، مثل التخفي، والمواد المركبة، ورادارات AESA، والحرب الإلكترونية، ودمج المستشعرات. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لأي مشاركة هندية في FCAS لن تكون في مجرد الحصول على مقاتلة متقدمة، وإنما في الوصول إلى تقنيات لا يغطيها برنامج AMCA بصورة كافية، وفي مقدمتها التعاون بين المقاتلات المأهولة وغير المأهولة، وبنية Combat Cloud، والقدرات البرمجية المتقدمة، وأنظمة التحكم في الطائرات غير المأهولة، والاتصالات الآمنة عالية السعة، والمحركات المتقدمة.
وتبرز هنا إحدى أهم القضايا التي ستحدد مستقبل المشاركة الهندية، وهي طبيعة الدور الصناعي والتكنولوجي الذي ستحصل عليه نيودلهي. فمجرد الحصول على نسبة من الإنتاج أو تصنيع أجزاء من الطائرة داخل الهند لن يكون بالضرورة كافيًا لتحقيق هدف الهند طويل الأمد في بناء استقلالية استراتيجية في مجال الطيران القتالي. وتحتاج نيودلهي إلى معرفة ما إذا كانت مشاركتها ستمنح الشركات الهندية حقوقًا فعلية في التصميم، وملكية فكرية للتقنيات التي تساهم في تطويرها، وإمكانية الوصول إلى البرمجيات ومصادرها، فضلًا عن حرية دمج الأسلحة الهندية وإجراء عمليات التطوير والتحديث مستقبلًا دون الاعتماد الكامل على موافقات خارجية.
وتحمل التجربة الهندية السابقة مع برنامج FGFA الروسي أهمية كبيرة في هذا السياق، إذ انسحبت الهند من المشروع عام 2018 بعد خلافات حول تقاسم العمل، والوصول إلى التكنولوجيا، ومدى توافق التصميم المقترح مع المتطلبات الهندية. ولذلك فإن نيودلهي ستدخل أي مفاوضات جديدة مع FCAS وهي أكثر وعيًا بأن المشاركة الصناعية لا تقاس فقط بعدد الطائرات التي سيتم إنتاجها محليًا، وإنما بمدى انتقال المعرفة الهندسية والقدرة على اتخاذ القرار التقني إلى الصناعة الوطنية. وإذا اقتصرت المشاركة على تصنيع أجزاء مصممة في الخارج، فإنها ستكرر نموذجًا قريبًا من التصنيع المحلي لمنصات أجنبية، أما إذا حصلت الهند على مسؤولية تصميمية حقيقية في أنظمة رئيسية، فقد يتحول المشروع إلى قفزة نوعية في قدراتها الجوية.
إن دخول الهند إلى FCAS في هذه المرحلة قد يمنح فرنسا فرصة لإعادة بناء الجانب المأهول من البرنامج ضمن صيغة صناعية وتمويلية جديدة بعد انهيار الشراكة مع ألمانيا، بينما تحصل نيودلهي في المقابل على فرصة للمشاركة في تطوير منظومة قتالية تتجاوز مفهوم المقاتلة التقليدية. ومن الممكن أن تصبح الهند شريكًا صناعيًا وتمويليًا مهمًا في حال تمكن الطرفان من الاتفاق على توزيع واضح للمهام وحقوق الملكية الفكرية، خصوصًا أن الهند تمتلك قاعدة صناعية جوية آخذة في التوسع وسوقًا محلية ضخمة للمقاتلات والمنظومات الجوية المستقبلية.
لكن هذا المسار يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأن الهند لا تواجه مشروعًا واحدًا فقط، بل تتحرك على عدة مسارات متزامنة تشمل الحفاظ على أسطول Jaguar، وزيادة أعداد Rafale، وتوسيع إنتاج Tejas، وتمويل برنامج AMCA، وتحديث Su-30MKI، وتطوير الأسلحة والمستشعرات، ثم تخصيص موارد إضافية محتملة للمشاركة في FCAS. وهذا يعني أن القرار لن يكون مجرد اختيار لمقاتلة مستقبلية، وإنما اختبار لقدرة الهند على إدارة عدة برامج جوية معقدة في الوقت نفسه دون توزيع الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية بصورة تضعف برنامجها الوطني.
التحرك الهندي يكتسب أهمية تتجاوز حدود نيودلهي وباريس، لأنه يأتي في وقت يتنافس فيه عدد محدود من القوى الصناعية على تشكيل الجيل المقبل من القوة الجوية. فهناك FCAS في أوروبا، وGCAP بقيادة بريطانيا وإيطاليا واليابان، إلى جانب برامج أمريكية متقدمة ومشروعات وطنية أخرى تسعى إلى دمج المقاتلات الشبحية مع الطائرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والشبكات القتالية. ومن ثم فإن دخول الهند إلى أحد هذه المشاريع يمكن أن يعيد رسم خريطة الشراكات الصناعية في قطاع الطيران العسكري، خصوصًا إذا حصلت على دور يتجاوز شراء المنصة إلى المشاركة في تصميم وتطوير تقنيات الجيل السادس.
وبالنسبة لفرنسا، يمكن أن تمثل الهند شريكًا ذا قيمة استراتيجية وصناعية كبيرة، ليس فقط بسبب حجم السوق الهندية، ولكن أيضًا بسبب خبرتها المتراكمة في تشغيل Rafale وعلاقاتها الدفاعية المتنامية مع باريس. أما بالنسبة للهند، فإن FCAS قد يمثل وسيلة لتجاوز بعض القيود الزمنية والتكنولوجية التي تفرضها عملية تطوير مقاتلة جيل سادس بصورة منفردة، شريطة ألا تتحول المشاركة إلى بديل عن بناء القدرات الوطنية. وفي النهاية، ستتحدد قيمة القرار الهندي وفق شروط الشراكة أكثر من اسم البرنامج نفسه؛ فإذا حصلت نيودلهي على دور حقيقي في التصميم والتطوير والملكية الفكرية والبرمجيات والأنظمة غير المأهولة، فقد يتحول FCAS إلى منصة للانتقال الهندي من تطوير مقاتلة جيل خامس إلى بناء منظومة جوية متكاملة من الجيل السادس، أما إذا اقتصرت المشاركة على التمويل والإنتاج، فقد تجد الهند نفسها أمام مشروع مكلف لا يقدم قيمة تقنية تتناسب مع الاستثمارات التي يتطلبها.