أخبار: Rosoboronexport تطرح Garpia-A1E للتصدير وتدخل سباق المسيّرات الانتحارية بعيدة المدى

تسعى روسيا إلى توسيع حضورها في سوق الأسلحة غير المأهولة بعيدة المدى، بعد أن أطلقت شركة Rosoboronexport حملة تسويقية دولية لتصدير الذخيرة الجوالة Garpia-A1E، التي تطورها وتنتجها شركة Almaz-Antey. وتراهن موسكو على الجمع بين مدى يصل إلى 1000 كيلومتر، ورأس حربي يزيد وزنه على 50 كيلوجراما، وقدرات ضرب دقيقة، من أجل تقديم المنظومة باعتبارها أحد الخيارات الروسية الجديدة في سوق الضربات الاستراتيجية منخفضة التكلفة نسبيا.

وجاء الإعلان عن الحملة الدولية في 26 أغسطس 2026، في خطوة تعكس انتقال الصناعة الدفاعية الروسية من التركيز على تلبية الاحتياجات العملياتية المحلية إلى محاولة تحويل الخبرة المكتسبة في مجال الأنظمة غير المأهولة إلى فرص تصديرية. وقال المدير العام لشركة Rosoboronexport، ألكسندر ميخييف، إن منظومة Garpia-A1E أثارت بالفعل اهتمام عدد من العملاء الأجانب بعد عروض وعمليات تقييم مباشرة، مؤكدا استعداد الشركة لبحث صفقات التوريد المباشر، إلى جانب إمكانية توطين إنتاج المنظومة داخل الدول التي تصفها موسكو بأنها صديقة لروسيا.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء التحول الكبير الذي شهده سوق الصناعات الدفاعية العالمي خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الذخائر الجوالة والطائرات الانتحارية بعيدة المدى من أكثر فئات التسليح طلبا، بعدما أثبتت الحروب الحديثة قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية واقتصادية على مسافات بعيدة، بتكلفة أقل بكثير من تكلفة استخدام الصواريخ الجوالة التقليدية أو الطائرات المقاتلة المأهولة.

وتعتمد Garpia-A1E على منصة BLA-D الهجومية، التي طورتها Almaz-Antey بتصميم يقوم على الجناح الطائر، مع مروحة دافعة ومحرك يعمل بالبنزين. ويمنح هذا التصميم المنظومة قدرة أكبر على حمل الوقود والاستمرار في الطيران لمسافات طويلة، مقارنة بكثير من الذخائر الجوالة التكتيكية الأصغر حجما. ويبلغ طول المنصة 3.4 متر، بينما يصل باع جناحيها إلى 3 أمتار، ويبلغ وزن الإقلاع الأقصى 250 كيلوجراما.

وبحسب البيانات التي أعلنتها Rosoboronexport، تستطيع Garpia-A1E بلوغ سرعة قصوى تصل إلى 170 كيلومترا في الساعة، مع قدرة على البقاء في الجو لأكثر من ست ساعات، والعمل على ارتفاعات تتراوح بين 50 و2500 متر. وتقول الشركة الروسية إن المنظومة تستطيع تنفيذ ضربات ضد أهداف ثابتة اعتمادا على إحداثيات محددة مسبقا، ما يضعها ضمن فئة الأنظمة المخصصة للضربات العميقة ضد البنية العسكرية واللوجستية للخصم.

أما أبرز ما تراهن عليه موسكو في تسويق المنظومة فهو المدى المعلن، إذ تؤكد Rosoboronexport أن Garpia-A1E تستطيع الوصول إلى أهداف على مسافة تصل إلى 1000 كيلومتر. وإذا تحققت هذه المواصفات فعليا في ظروف التشغيل المختلفة، فإن المنظومة ستتمتع بمدى يتجاوز بكثير نطاق الاستخدام التقليدي للذخائر الجوالة التكتيكية، لتقترب من مساحة عمليات كانت حكرا في السابق على الصواريخ الجوالة وبعض أنواع الطائرات الهجومية بعيدة المدى.

ولا يقتصر الأمر على المدى، إذ تقول الشركة أن Garpia-A1E قادرة على حمل رأس حربي يزيد وزنه على 50 كيلوجراما، مع هامش خطأ دائري لا يتجاوز 4 أمتار. وهذه الأرقام، إذا تم تأكيدها ميدانيا، تمنح المنظومة قدرة محتملة على التعامل مع مجموعة واسعة من الأهداف الثابتة، بدءا من مراكز القيادة ومستودعات الذخيرة والوقود، وصولا إلى المنشآت اللوجستية ومحطات الرادار والبنية العسكرية الحساسة الواقعة في العمق.

وتؤكد Rosoboronexport أن شركة Almaz-Antey تمكنت من الوصول إلى مرحلة الإنتاج التسلسلي للمنظومة، وبمستوى يسمح بتنفيذ العقود الأجنبية خلال أطر زمنية تنافسية دون التأثير على القدرة الدفاعية الروسية. لكن ميخييف شدد في الوقت نفسه على أن أي شركة روسية منتجة للسلاح مطالبة أولا بالوفاء بالتزاماتها التعاقدية أمام وزارة الدفاع الروسية قبل تخصيص الإنتاج للتصدير.

ويكشف هذا الجانب عن معادلة معقدة تواجهها موسكو، إذ تحاول الصناعة الدفاعية الروسية الحفاظ على قدرتها على تلبية المتطلبات العسكرية الداخلية، وفي الوقت نفسه منع تراجع موقع روسيا في أسواق السلاح العالمية. وتأتي Garpia-A1E في توقيت تشهد فيه سوق الطائرات غير المأهولة منافسة متصاعدة بين منتجين يقدمون أنظمة هجومية من فئات ومديات مختلفة، في وقت أصبحت فيه القدرة على الإنتاج الكمي عاملا لا يقل أهمية عن مستوى التطور التقني للمنظومة نفسها.

ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن النظر إلى Garpia-A1E باعتبارها محاولة روسية لتقديم فئة وسطية بين الذخائر الجوالة قصيرة المدى والصواريخ الجوالة التقليدية. فالمنظومة، وفقا للمواصفات المعلنة، تقدم قدرة على ضرب أهداف تبعد مئات الكيلومترات دون الحاجة إلى استخدام طائرة مأهولة، وبكلفة من المرجح أن تكون أقل من كثير من الصواريخ بعيدة المدى. وهذا النوع من الأسلحة يمكن أن يكون جذابا للدول التي تسعى إلى بناء قدرة للضربات العميقة، لكنها لا تمتلك أسطولا متقدما من الطائرات المقاتلة أو ترسانة واسعة من الصواريخ الجوالة.

وتبرز هنا أهمية العرض الروسي الخاص بإمكانية توطين الإنتاج. فموسكو لا تكتفي بعرض بيع المنظومة، بل تفتح الباب أمام ترتيبات صناعية أوسع مع الدول الصديقة، وهو نموذج أصبح أكثر أهمية في سوق السلاح العالمي. إذ لم تعد الدول المستوردة تنظر دائما إلى شراء السلاح بوصفه عملية اقتناء جاهزة، بل أصبحت تطالب بشكل متزايد بنقل التكنولوجيا والتجميع المحلي وبناء قدرات للصيانة والدعم والإنتاج الوطني.

ومن شأن نجاح روسيا في تسويق Garpia-A1E بهذه الصيغة أن يمنحها ميزة في بعض الأسواق التي تبحث عن هامش أكبر من الاستقلالية الصناعية، خصوصا في ظل القيود السياسية والتصديرية التي ترافق بعض الأسلحة الغربية. كما أن إتاحة الإنتاج المحلي قد تسمح للعملاء ببناء مخزونات أكبر من المنظومات غير المأهولة، وهي نقطة تزداد أهميتها مع تحول الحروب الحديثة إلى صراعات استنزاف تعتمد على القدرة على إنتاج واستهلاك أعداد كبيرة من الذخائر والطائرات غير المأهولة.

تعكس الحملة التصديرية لـGarpia-A1E اتجاها أكثر اتساعا يتمثل في تحول الطائرات الانتحارية بعيدة المدى إلى أحد المكونات الأساسية في القوة العسكرية الحديثة. ففي السابق، كانت القدرة على ضرب أهداف تقع على عمق مئات الكيلومترات تتطلب امتلاك قوة جوية متقدمة أو صواريخ باليستية أو جوالة باهظة التكلفة. أما اليوم، فإن تطور تقنيات الملاحة والمحركات والإنتاج منخفض التكلفة يفتح الباب أمام منصات غير مأهولة قادرة على أداء جزء من هذه المهام.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن الطائرات غير المأهولة ستستبدل الصواريخ الجوالة أو الطائرات المقاتلة، لكنها تقدم بديلا إضافيا يسمح للقوات المسلحة بتوزيع المخاطر والتكاليف. ويمكن استخدام أعداد كبيرة من هذه المنظومات لاستنزاف الدفاعات الجوية، أو لإجبار الخصم على تشغيل منظومات الرصد والاعتراض باستمرار، أو لتنفيذ ضربات متكررة ضد أهداف ثابتة. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات ظهور أنظمة مثل Garpia-A1E، إذ إن قيمتها الاستراتيجية لا ترتبط فقط بحجم الرأس الحربي، وإنما بقدرتها على تغيير معادلة التكلفة بين السلاح المهاجم والوسائل الدفاعية المطلوبة لاعتراضه.

كما يمكن لمدى يصل إلى 1000 كيلومتر أن يفرض على الدول المستهدفة توسيع نطاق دفاعاتها الجوية وحماية عدد أكبر من المنشآت الواقعة في العمق. وهذا يعني أن انتشار الذخائر الجوالة بعيدة المدى سيدفع بدوره إلى زيادة الطلب على أنظمة الرصد منخفضة الارتفاع، والحرب الإلكترونية، ومنظومات مكافحة الطائرات غير المأهولة، والصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة. وبالتالي، فإن توسع سوق هذه الأسلحة الهجومية سيحفز في الوقت نفسه نمو سوق الأنظمة المضادة لها.

وبذلك تمثل Garpia-A1E أكثر من مجرد طائرة انتحارية جديدة تعرضها روسيا في الأسواق الدولية. فالمنظومة تعكس اتجاها صناعيا وعسكريا نحو تسليح دولي يعتمد بصورة أكبر على الضربات غير المأهولة بعيدة المدى، وعلى الإنتاج الكمي، وعلى تقديم بدائل أقل كلفة من الذخائر الاستراتيجية التقليدية. وإذا تمكنت موسكو من تحويل الاهتمام الأولي إلى عقود فعلية، فقد تصبح Garpia-A1E أحد المؤشرات البارزة على دخول روسيا بقوة أكبر إلى المنافسة العالمية في سوق الذخائر الجوالة ذات المدى الاستراتيجي.