في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحديث العسكري النوعي للقوات المسلحة السعودية، أُعلن في مطلع عام 2026 عن إتمام الكوادر العسكرية السعودية تدريباتها المكثفة على البطارية الرابعة من منظومة الدفاع الجوي الصاروخي للارتفاعات العالية، المعروفة عالمياً باسم THAAD (Terminal High Altitude Area Defense). جرت هذه التدريبات في المنشآت العسكرية المتخصصة التابعة لشركة Lockheed Martin وبالتعاون مع الجيش الأمريكي، لتشكل لبنة جديدة في صرح نظام الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل للمملكة العربية السعودية، والذي يهدف إلى تحصين الأجواء السيادية ضد التهديدات الباليستية المتزايدة في المنطقة.
تأتي هذه الخطوة تنفيذاً للاتفاقيات الاستراتيجية المبرمة بين الرياض وواشنطن لتوريد هذه المنظومة الدفاعية الأكثر تطوراً في العالم، حيث تشمل الصفقة الشاملة ليس فقط توريد المعدات والمنصات، بل برنامجاً تعليمياً وتدريبياً مكثفاً لضمان قدرة الكفاءات الوطنية السعودية على تشغيل وصيانة هذه التكنولوجيا المعقدة بشكل مستقل. ويمثل اكتمال تدريب البطارية الرابعة مرحلة حاسمة في الجدول الزمني لتشغيل المنظومة ميدانياً داخل أراضي المملكة، مما يعزز من جاهزية "قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي" للتعامل مع الصواريخ الباليستية في مراحلها الأخيرة من الطيران (Terminal Phase).
تعتبر منظومة THAAD التي تنتجها شركة Lockheed Martin، بمثابة الدرع الأقوى في ترسانة الاعتراض الصاروخي العالمية، حيث تتميز بقدرتها الفريدة على اعتراض الأهداف المعادية داخل وخارج الغلاف الجوي للأرض. وتعتمد المنظومة على تقنية "الإصابة المباشرة" (Hit-to-Kill)، التي تستخدم الطاقة الحركية لتدمير الرؤوس الحربية القادمة بدلاً من التفجير التقليدي، مما يقلل من مخاطر سقوط الحطام أو المواد الكيماوية/النووية على المناطق المأهولة.
تتكامل البطاريات السعودية من طراز THAAD مع رادارات متطورة من نوع AN/TPY-2 التي تنتجها شركة Raytheon Technologies، وهي رادارات قادرة على كشف وتتبع الصواريخ الباليستية من مسافات بعيدة جداً بدقة متناهية. إن دمج هذه البطاريات ضمن شبكة القيادة والسيطرة السعودية، والتي تضم أيضاً منظومات MIM-104 Patriot، سيخلق نظاماً دفاعياً "متعدد الطبقات" يجعل من اختراق الأجواء السعودية مهمة شبه مستحيلة، ويوفر حماية قصوى للمنشآت الحيوية والاقتصادية والمدنية الكبرى في البلاد.
تعد هذه الصفقة وتطوراتها التدريبية رسالة جيوسياسية بالغة الأهمية. فمن الناحية الاستراتيجية، تعلن المملكة العربية السعودية من خلال امتلاك وتشغيل THAAD عن انتقالها إلى مرحلة "الردع الدفاعي الفعال". في محيط إقليمي يتسم بالاضطراب وتنامي القدرات الصاروخية لدى أطراف إقليمية غير مستقرة، يمثل وجود هذه المنظومة عامل استقرار كبيراً، حيث يحيد فاعلية التهديد الصاروخي كأداة للضغط السياسي أو الابتزاز العسكري.
علاوة على ذلك، فإن نجاح الكوادر السعودية في إتقان تشغيل هذه التكنولوجيا يثبت نجاح رؤية المملكة في توطين المعرفة العسكرية. فالتعاون مع Lockheed Martin لم يقتصر على الشراء، بل شمل بناء قاعدة معرفية وبشرية سعودية قادرة على إدارة أعقد الأنظمة الدفاعية في العالم. كما أن هذه الخطوة تعزز من "الشراكة الاستراتيجية الدفاعية" بين الرياض وواشنطن، وتؤكد أن المملكة تظل الحليف الأبرز الذي يمتلك أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، مما يعطي ثقلاً إضافياً لوزن المملكة في أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية.
امتلاك السعودية لهذا الدرع الصاروخي المتطور يدفع دول الجوار إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الهجومية والدفاعية على حد سواء. كما أن هذا التطور يفتح الباب أمام سوق ضخمة لخدمات الدعم اللوجستي، الصيانة، والتطوير البرمجي لهذه المنظومات داخل المنطقة، حيث تسعى المملكة لتكون مركزاً إقليمياً لصيانة الأنظمة الدفاعية المتقدمة.