تدرس تركيا إمكانية التعاقد على منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى Patriot الأمريكية أو SAMP/T الأوروبية في إطار مراجعة شاملة لقدراتها الدفاعية، وذلك بالتزامن مع مواصلة تطوير مشروعها الوطني للدفاع الجوي والصاروخي متعدد الطبقات Steel Dome. ويعكس هذا التوجه إدراك أنقرة للحاجة إلى تعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية المتنامية في بيئة أمنية تشهد تصاعداً في استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، إلى جانب الحرص على بناء شبكة دفاع جوي متكاملة تجمع بين الأنظمة المحلية والحلول الأجنبية المتقدمة.
وبحسب تصريحات وزير الدفاع التركي يشار غولر، فإن الحكومة التركية تواصل تقييم جميع الخيارات المتاحة لسد الثغرات في شبكة الدفاع الجوي الوطنية، مؤكداً أن المباحثات تشمل إمكانية اقتناء منظومة Patriot التي تنتجها الولايات المتحدة، وكذلك منظومة SAMP/T التي تطورها شركة Eurosam بالشراكة بين فرنسا وإيطاليا. وأوضح أن عملية التقييم تأتي في إطار استراتيجية أوسع لتطوير بنية دفاعية متكاملة وقادرة على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات الجوية، دون أن يعني ذلك التخلي عن برامج التطوير المحلية التي تشهد تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواصل فيه تركيا استثماراتها المكثفة في منظومات الدفاع الجوي الوطنية، حيث يشكل مشروع Steel Dome حجر الأساس في العقيدة الدفاعية الجديدة لأنقرة. ويهدف المشروع إلى إنشاء مظلة دفاعية متعددة الطبقات تضم منظومات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، إضافة إلى رادارات متطورة وأنظمة قيادة وسيطرة وحلول تعتمد على أسلحة الليزر وتقنيات الاستشعار المتقدمة، بما يسمح بتوفير تغطية متكاملة ضد الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز والصواريخ الباليستية.
ورغم التقدم الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية في تطوير منظومات مثل SİPER وHİSAR، فإن أنقرة تدرك أن الوصول إلى منظومة دفاع جوي متكاملة وذات جاهزية عملياتية كاملة يتطلب وقتاً إضافياً، وهو ما يفسر استمرار دراسة الخيارات الغربية القادرة على توفير قدرات جاهزة يمكن دمجها ضمن البنية الدفاعية الحالية. كما أن منظومتي Patriot وSAMP/T تتمتعان بخبرة تشغيلية واسعة داخل حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يمنحهما ميزة كبيرة من حيث التكامل مع أنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة التابعة للحلف.
وتحمل إعادة فتح ملف التعاقد على Patriot أو SAMP/T أهمية سياسية لا تقل عن أهميتها العسكرية، إذ تأتي بعد سنوات من التوتر الذي أعقب حصول تركيا على منظومة S-400 الروسية، وهو القرار الذي أدى إلى فرض عقوبات أمريكية على أنقرة واستبعادها من برنامج المقاتلة F-35. ومن ثم فإن عودة المنظومات الغربية إلى دائرة الاهتمام التركي قد تمثل مؤشراً على رغبة متبادلة في إعادة بناء التعاون الدفاعي بين تركيا وحلفائها الغربيين، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن سياسة تنويع مصادر التسليح التي تنتهجها أنقرة منذ سنوات.
يمثل Patriot أحد أكثر أنظمة الدفاع الجوي انتشاراً داخل دول حلف الناتو، وقد أثبت كفاءته في اعتراض الطائرات والصواريخ الباليستية، خصوصاً باستخدام صواريخ PAC-3 MSE التي تتمتع بقدرات متقدمة على الاعتراض المباشر للأهداف الباليستية. أما منظومة SAMP/T الأوروبية، والمزودة بصواريخ Aster 30، فتعد منافساً مباشراً لـ Patriot، إذ توفر قدرة على التعامل مع الطائرات والصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية التكتيكية، بينما تتميز النسخة الحديثة SAMP/T NG بقدرات محسنة في مدى الاشتباك والاستشعار والتعامل مع الأهداف الأسرع والأكثر تعقيداً.
ويعكس اهتمام تركيا بالمنظومتين في الوقت نفسه رغبتها في الحصول على أفضل مزيج ممكن بين الكفاءة العملياتية والتعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا، وهي عوامل كانت دائماً من أبرز أولويات أنقرة في صفقات التسليح الكبرى. فقد سعت تركيا خلال السنوات الماضية إلى ربط أي تعاقدات استراتيجية ببرامج للتصنيع المشترك أو نقل المعرفة التقنية، بهدف تعزيز استقلالية صناعاتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين مستقبلاً.
تكشف هذه الخطوة عن إدراك تركي بأن التهديدات الجوية في محيطها الإقليمي أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتطور المتسارع في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى والذخائر الجوالة يفرض على الدول امتلاك شبكات دفاع جوي متدرجة وقادرة على التعامل مع هجمات مركبة ومتزامنة، وهو ما يدفع أنقرة إلى الجمع بين الاستثمار في برامجها الوطنية والاستفادة من الخبرات الغربية عند الحاجة. كما أن الموقع الجغرافي لتركيا، الذي يضعها على تماس مباشر مع عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق البحر المتوسط، يزيد من أهمية امتلاك منظومة دفاع جوي متقدمة توفر تغطية واسعة ضد مختلف التهديدات.
إن اهتمام تركيا بكل من Patriot وSAMP/T يمنح دفعة جديدة للمنافسة بين الولايات المتحدة والصناعة الدفاعية الأوروبية للفوز بأحد أهم برامج الدفاع الجوي المحتملة داخل حلف الناتو. وتمثل تركيا سوقاً استراتيجية بفضل حجم قواتها المسلحة وموقعها الجيوسياسي، كما أن أي صفقة مستقبلية قد تتجاوز مجرد شراء منظومات جاهزة لتشمل تعاوناً صناعياً وإنتاجاً مشتركاً ونقل تقنيات، وهو ما سيؤثر في توازن المنافسة بين الشركات الغربية خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن دراسة شراء منظومات أجنبية تتعارض مع استمرار تطوير Steel Dome، بل تشير إلى أن أنقرة تتبنى نهجاً عملياً يقوم على سد الاحتياجات العاجلة بمنظومات مجربة، مع مواصلة الاستثمار في بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة مستقبلاً على توفير جميع طبقات الدفاع الجوي محلياً. ومن ثم فإن القرار النهائي، سواء اتجه نحو Patriot أو SAMP/T أو حتى الجمع بين حلول متعددة، سيعكس رؤية تركية طويلة المدى تقوم على تحقيق التوازن بين الجاهزية العملياتية الفورية والاستقلالية الدفاعية على المدى البعيد، بما يعزز مكانة تركيا كإحدى أبرز القوى الإقليمية في مجال الدفاع الجوي والصاروخي.