استعرضت القوات المسلحة التركية قدراتها في مجال العمليات البرمائية والهجوم الساحلي خلال مناورات EFES 2026 المشتركة، عبر تنفيذ عملية إنزال بحري مباشر لدبابات M60TM باستخدام زوارق الإنزال المحلية من فئة 151 Class، في خطوة تعكس توجه أنقرة نحو تعزيز قدراتها على تنفيذ عمليات هجومية متكاملة تجمع بين القوات البحرية والمدرعات والمشاة ضمن بيئة قتالية عالية الكثافة ومتوافقة مع معايير حلف شمال الأطلسي.
حيث شهدت مناورات EFES 2026 التي أُجريت في منطقة Seferihisar بمدينة إزمير تنفيذ عملية إنزال برمائي مباشر لدبابات M60TM من على متن زوارق الإنزال التابعة للبحرية التركية، قبل تقدمها نحو أهداف داخلية تحت تغطية نيرانية وتنسيق مشترك بين القوات البرية والبحرية والجوية. واعتُبرت العملية واحدة من أبرز مراحل المناورات، لما أظهرته من تكامل بين وسائل النقل البحري والقوات المدرعة ضمن سيناريو يحاكي عمليات الاقتحام الساحلي والهجوم على الشواطئ غير المجهزة.
وأظهرت المناورات قدرة زوارق الإنزال التركية من فئة 151 Class على نقل الدبابات الثقيلة مباشرة إلى الشاطئ دون الحاجة إلى موانئ أو بنية تحتية ثابتة، وهو ما يمنح القوات التركية مرونة عملياتية أكبر في تنفيذ عمليات الإنزال السريع على السواحل المتنازع عليها أو المناطق ذات البنية المحدودة. كما شملت العملية خروج الدبابات من الزوارق وإعادة تنظيمها ميدانيًا قبل التقدم داخل عمق المنطقة المستهدفة بالتنسيق مع وحدات المشاة.
وتُعد M60TM النسخة الأحدث من برنامج تحديث دبابات M60 العاملة لدى الجيش التركي، حيث خضعت الدبابة لسلسلة تطويرات محلية شملت أنظمة الحماية، والسيطرة على النيران، والاستشعار، والوعي الميداني، إضافة إلى دمج منظومة الحماية النشطة PULAT المطورة محليًا لمواجهة الصواريخ الموجهة المضادة للدروع. كما تضم الدبابة أنظمة رؤية حرارية وقدرات اشتباك أثناء الحركة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على العمل في البيئات القتالية المعقدة والعمليات الهجومية السريعة.
وتأتي هذه المناورات في إطار برنامج EFES 2026 الذي يُعد من أكبر المناورات العسكرية التركية متعددة الأفرع، حيث شاركت فيه قوات بحرية وبرية وجوية وأنظمة غير مأهولة ضمن سيناريوهات تحاكي عمليات الحرب المشتركة والقتال الساحلي والهجمات البرمائية. كما شهدت المناورات مشاركة مراقبين وقوات من عدة دول، في إطار تعزيز التشغيل البيني والتنسيق مع قوات حلف الناتو.
ويعكس التركيز التركي على العمليات البرمائية تطورًا ملحوظًا في العقيدة العسكرية لأنقرة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تنامي أهمية شرق المتوسط والبحر الأسود والبيئات الساحلية ضمن الحسابات الاستراتيجية التركية. فالقوات البرمائية أصبحت تمثل عنصرًا رئيسيًا في قدرة أي قوة بحرية على تنفيذ عمليات التدخل السريع، وحماية السواحل، وتأمين الجزر والممرات البحرية الحيوية.
كما أظهرت المناورات مستوى متقدمًا من الدمج بين القوات المدرعة والقوات البحرية، حيث لم تقتصر العملية على مجرد نقل الدبابات إلى الشاطئ، بل شملت الانتقال الفوري إلى القتال البري ضمن بيئة نيرانية متكاملة. ويُنظر إلى هذا النوع من العمليات باعتباره من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا، نظرًا لحاجته إلى تنسيق دقيق بين حركة السفن، وعمليات الإنزال، والإسناد الجوي، والدعم النيراني، وحركة القوات البرية بعد الوصول إلى الساحل.
ومن الناحية العسكرية، تمنح القدرة على تنفيذ إنزال مباشر للدبابات الثقيلة القوات التركية مرونة أكبر في إدارة العمليات الساحلية، خاصة في المناطق التي قد تتعرض فيها الموانئ أو المنشآت الساحلية للتدمير أو الاستهداف خلال النزاعات. كما أن الاعتماد على زوارق إنزال محلية الصنع يعكس استمرار توجه تركيا نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب في المنظومات الحيوية.
وتحمل مناورات EFES 2026 أيضًا رسائل استراتيجية مرتبطة بإظهار جاهزية القوات المسلحة التركية لتنفيذ عمليات مشتركة واسعة النطاق، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة في شرق المتوسط والمناطق المحيطة بتركيا. كما تعكس المناورات اهتمام أنقرة المتزايد بتطوير قدراتها على القتال متعدد المجالات، والذي يعتمد على دمج القوات البرية والبحرية والجوية والطائرات المسيّرة ضمن منظومة عملياتية واحدة.
وشهدت المناورات كذلك مشاركة أصول جوية وهجومية متنوعة، من بينها مروحيات T-129 ATAK الهجومية والطائرات المسيّرة وأنظمة الدعم النيراني، ضمن سيناريوهات تحاكي حماية قوات الإنزال وتأمين رأس الجسر الساحلي بعد وصول القوات إلى البر. كما ركزت التدريبات على عمليات التنسيق النيراني وإدارة المجال القتالي المشترك أثناء تنفيذ الهجوم البرمائي.
تعكس هذه المناورات التقدم الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية في مجالات المركبات المدرعة، وزوارق الإنزال، وأنظمة القيادة والسيطرة، والحماية النشطة للدبابات. فبرنامج تحديث M60TM يُعد جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تطوير القدرات المحلية للدبابات والمنظومات البرية، بالتوازي مع برنامج الدبابة Altay ومشروعات التصنيع العسكري البحري.
كما تسعى تركيا إلى توظيف هذه المناورات كمنصة لعرض قدراتها العسكرية والصناعية أمام الوفود الأجنبية والمراقبين العسكريين، خاصة في ظل توسع صادرات الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وتمثل العمليات البرمائية ومنظومات الإنزال أحد القطاعات التي تعمل أنقرة على تعزيز حضورها فيها ضمن سوق الصناعات الدفاعية الدولية.
ويرى مراقبون أن التركيز التركي على تطوير قدرات الهجوم البرمائي يرتبط أيضًا بتنامي أهمية السفينة الهجومية البرمائية TCG Anadolu، التي تمثل مركزًا رئيسيًا في العقيدة البحرية التركية الجديدة، خاصة مع توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة البحرية والجوية ومنصات الدعم البرمائي بعيدة المدى.
ويؤكد استعراض M60TM وزوارق الإنزال المحلية خلال EFES 2026 أن تركيا تواصل تطوير قدراتها على تنفيذ عمليات هجومية مشتركة ومعقدة، مع تركيز واضح على الدمج بين الصناعات الدفاعية المحلية والجاهزية العملياتية للقوات المسلحة، في إطار سعي أنقرة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية تمتلك قدرات متقدمة في الحرب البرمائية والعمليات الساحلية الحديثة.