أخبار: تعاون Anduril وElbit Systems لإنتاج مدفع هاوتزر أمريكي جديد

في خطوة قد تمثل نقطة تحول مهمة في مستقبل المدفعية الأمريكية، أعلنت شركتا Anduril Industries وElbit Systems America عن شراكة استراتيجية لتطوير وإنتاج نظام مدفعي جديد لصالح الجيش الأمريكي، مستند إلى المدفع ذاتي الحركة SIGMA الذي طورته Elbit، مع دمج تقنيات الاستقلالية والأنظمة الرقمية المتقدمة التي تشتهر بها Anduril. ويأتي هذا التعاون في وقت تسعى فيه وزارة الحرب الأمريكية إلى تسريع تحديث قوات المدفعية الميدانية ومواكبة الدروس المستخلصة من الحروب الحديثة التي أعادت المدفعية إلى صدارة أدوات الحسم في ساحة المعركة.

وبحسب الإعلان المشترك، فإن الشركتين ستقدمان نسخة أمريكية متطورة من منظومة SIGMA بهدف المنافسة على برامج المدفعية المستقبلية للجيش الأمريكي، مع التركيز على زيادة معدل النيران وتقليل عدد أفراد الطاقم ورفع مستويات الأتمتة والقدرة على البقاء في بيئة قتالية تتسم بالاستشعار المستمر والتهديدات الدقيقة بعيدة المدى. وتطمح الشراكة إلى توفير حل جاهز نسبياً يمكن إدخاله إلى الخدمة بسرعة أكبر مقارنة ببرامج التطوير التقليدية طويلة الأمد.

وتستند المنظومة المقترحة إلى خبرة Elbit Systems الطويلة في مجال المدفعية ذاتية الحركة، حيث تعد SIGMA واحدة من أحدث الأنظمة المدفعية التي طورتها الشركة خلال السنوات الأخيرة. ويتميز النظام بمدفع عيار 155 ملم بطول سبطانة 52 عياراً، مع منظومة تلقيم آلية بالكامل تقلل الحاجة إلى تدخل الطاقم أثناء عمليات الرمي. كما يسمح التصميم بتنفيذ مهام "الرمي والتحرك" بسرعة كبيرة، وهي خاصية أصبحت ضرورية في ظل انتشار الرادارات المضادة للمدفعية والطائرات المسيّرة القادرة على كشف مواقع الإطلاق خلال دقائق أو حتى ثوانٍ معدودة.

أما Anduril Industries فتدخل المشروع بخبراتها المتنامية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية والشبكات القتالية الرقمية. ومن المتوقع أن توفر الشركة حلولاً متقدمة للقيادة والسيطرة وإدارة النيران والدمج مع أنظمة الاستشعار المختلفة، بما يسمح بتحويل المدفعية إلى عنصر أكثر اندماجاً داخل شبكة قتالية مترابطة قادرة على تبادل البيانات بصورة شبه فورية مع الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستطلاع والرادارات ووحدات المناورة البرية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه سوق المدفعية الأمريكي تغيرات كبيرة. فعلى مدى عقود ظلت BAE Systems المورد الرئيسي لمدافع M109 Paladin التي تشكل العمود الفقري لقوات المدفعية ذاتية الحركة في الجيش الأمريكي. ورغم عمليات التحديث المستمرة التي خضعت لها المنظومة، فإن التطورات المتسارعة في ساحات القتال دفعت الجيش إلى البحث عن حلول أكثر تطوراً من حيث الأتمتة وسرعة الانتشار والقدرة على البقاء. ولذلك فإن دخول تحالف Anduril وElbit إلى هذا المجال يمثل أول تحدٍ جدي لهيمنة BAE Systems على قطاع المدفعية ذاتية الحركة داخل الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة.

وقد اكتسبت المدفعية أهمية استثنائية خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أثبتت المعارك واسعة النطاق أن المدافع التقليدية ما زالت تشكل أحد أهم أدوات الحسم العملياتي رغم الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة. وأظهرت التجربة الأوكرانية أن القدرة على إطلاق كميات كبيرة من النيران الدقيقة والاستمرار في المناورة بسرعة أصبحت عاملاً حاسماً في البقاء والفعالية داخل ساحة المعركة الحديثة.

وفي هذا السياق، تبدو منظومة SIGMA خياراً جذاباً للقوات الأمريكية. فالمنصة تعتمد على درجة مرتفعة من الأتمتة تقلل حجم الطاقم المطلوب لتشغيلها مقارنة بالأنظمة التقليدية، كما تسمح بتنفيذ عمليات الإطلاق وإعادة التموضع خلال فترات زمنية قصيرة. ويعد هذا العامل مهماً بصورة خاصة في مواجهة تهديدات الاستطلاع المستمر التي تفرضها الطائرات المسيّرة ومنظومات الاستشعار الحديثة المنتشرة لدى الجيوش المعاصرة.

كما تعكس الشراكة بين Anduril وElbit توجهاً متزايداً داخل وزارة الحرب الأمريكية نحو الاستفادة من الشركات التكنولوجية الناشئة إلى جانب الشركات الدفاعية التقليدية. فقد نجحت Anduril خلال السنوات الأخيرة في بناء حضور قوي داخل برامج الدفاع الأمريكية من خلال حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة، وهو ما جعلها شريكاً مفضلاً في عدد من المشاريع المرتبطة بالدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والمراقبة الحدودية والأنظمة البحرية غير المأهولة.

تمنح هذه الشراكة الطرفين مزايا متبادلة. فـElbit تمتلك بالفعل منصة مدفعية ناضجة وخبرة طويلة في مجال المدفعية الثقيلة، بينما توفر Anduril قدرات متقدمة في البرمجيات والأنظمة الرقمية الحديثة. ويتيح الجمع بين هاتين الميزتين تقديم منتج قادر على تلبية المتطلبات الجديدة للجيش الأمريكي دون الحاجة إلى تطوير منظومة جديدة بالكامل من الصفر، وهو ما يقلل المخاطر الفنية والتكاليف والجدول الزمني للتطوير.

وتعكس هذه الخطوة تحولاً أوسع نحو دمج الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية داخل الأنظمة المدفعية. فالمنافسة لم تعد تقتصر على مدى المدفع أو نوع الذخيرة المستخدمة، بل أصبحت تشمل سرعة معالجة البيانات واختيار الأهداف والتكامل مع شبكات القيادة والسيطرة والقدرة على العمل ضمن بيئة قتالية رقمية متكاملة. وهذا الاتجاه يتوقع أن يصبح أحد أهم معايير التنافس في برامج المدفعية المستقبلية خلال العقد المقبل.

كما أن نجاح المشروع قد يفتح الباب أمام فرص تصديرية واسعة خارج الولايات المتحدة. فالعديد من الدول الحليفة تسعى حالياً إلى تحديث قوات المدفعية لديها استناداً إلى الدروس المستخلصة من النزاعات الأخيرة، وتبحث عن أنظمة توفر مزيجاً من الأتمتة والمرونة والقدرة على الاندماج مع شبكات الاستشعار الحديثة. وإذا تمكن التحالف الجديد من إثبات كفاءة منظومته داخل السوق الأمريكية، فقد يتحول إلى منافس قوي في الأسواق الدولية أيضاً.

إن الشراكة بين Anduril Industries وElbit Systems America لا تمثل مجرد تعاون صناعي لتطوير مدفع هاوتزر جديد، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة تطوير المدفعية الأمريكية. فالمشروع يجمع بين خبرة الصناعات الدفاعية التقليدية وقدرات الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية الحديثة، في محاولة لإنتاج جيل جديد من منظومات المدفعية القادرة على العمل في بيئة قتالية تتسم بالسرعة والتعقيد والاستشعار المستمر. وإذا نجح هذا التحالف في الفوز بالعقود المستقبلية للجيش الأمريكي، فقد يشهد سوق المدفعية الأمريكي أكبر تغيير له منذ عقود، مع نهاية الاحتكار التقليدي وبداية مرحلة جديدة من المنافسة التقنية والصناعية في أحد أهم قطاعات القوة البرية الحديثة.