كشفت تقارير استخباراتية وأمنية جديدة عن تفاصيل بالغة الحساسية تتعلق باستخدام إسرائيل لقواعد ومنشآت سرية داخل الأراضي العراقية لدعم عمليات بعيدة المدى ضد إيران، في تطور يسلط الضوء على التحول العميق في طبيعة الصراع غير المعلن بين تل أبيب وطهران، والذي لم يعد يقتصر على الضربات الجوية أو الحرب السيبرانية والاغتيالات، بل امتد إلى بناء بنية عملياتية متقدمة داخل المجال الجغرافي المحيط بإيران نفسها. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذه المنشآت لعبت أدواراً محورية في دعم عمليات الاستطلاع والإنقاذ والإسناد اللوجستي المرتبطة بالعمليات الجوية والاستخباراتية الإسرائيلية بعيدة المدى.
وتحمل هذه المعلومات أهمية استثنائية على المستوى العسكري والاستراتيجي، لأنها تكشف عن تطور نوعي في مفهوم “العمق العملياتي” الإسرائيلي. فإسرائيل، التي لطالما واجهت معضلة الجغرافيا المحدودة والمسافات الطويلة بينها وبين الأهداف الإيرانية، تبدو وكأنها نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكة ارتكاز إقليمية تسمح لها بتقليص الفجوات اللوجستية والزمنية التي كانت تمثل أحد أكبر التحديات أمام أي مواجهة مباشرة أو شبه مباشرة مع إيران.
وبحسب التقارير، فإن البنية السرية الإسرائيلية داخل العراق لم تقتصر على نقطة واحدة، بل شملت قاعدتين منفصلتين تؤدي كل منهما أدواراً مختلفة ومتكاملة ضمن منظومة العمليات بعيدة المدى.
القاعدة الأولى، وفق المعطيات المنشورة، تقع في منطقة صحراوية نائية غرب العراق، ويعتقد أنها استُخدمت كنقطة دعم لوجستي وعملياتي للطائرات والطائرات بدون طيار وعمليات الاستطلاع الإلكتروني المرتبطة بالتحركات الإيرانية داخل العمق الإيراني أو على خطوط الإمداد الإقليمية. وتشير طبيعة الموقع إلى أنه جرى اختياره بعناية ليكون بعيداً عن الكثافة السكانية والرصد المباشر، مع سهولة الوصول الجوي والبري إليه، وهو ما يمنحه قيمة استراتيجية كبيرة كمنصة دعم للعمليات السرية بعيدة المدى.
ويبدو أن الدور الأساسي لهذه القاعدة تمثل في توفير “حلقة وسيطة” داخل المسار العملياتي الإسرائيلي نحو إيران، بما يسمح بتقليل الضغط على الطائرات والمنصات بعيدة المدى، وتوفير قدرات دعم واستخبارات واتصالات أكثر مرونة. كما يحتمل أن الموقع استخدم لتشغيل طائرات استطلاع بدون طيار بعيدة المدى أو أنظمة مراقبة إلكترونية مخصصة لمتابعة التحركات الإيرانية داخل مناطق واسعة من غرب إيران والخليج والمجال العراقي السوري.
أما على مستوى الموقع الجغرافي، فتشير غالبية التقديرات الاستخباراتية والتقارير الغربية إلى أن القاعدة الإسرائيلية الرئيسية تمركزت في منطقة النخيب الواقعة داخل الصحراء الغربية العراقية، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية استثنائية بسبب موقعها القريب نسبياً من المثلث الحدودي العراقي ـ السوري ـ السعودي. وتتميز النخيب بطبيعتها الصحراوية المفتوحة واتساعها الجغرافي الهائل وضعف الكثافة السكانية فيها، ما يجعلها بيئة مثالية لإقامة منشآت أو نقاط عمليات سرية بعيدة عن الرصد التقليدي.
كما أن المنطقة تقع على مسارات جوية وبرية حساسة تربط غرب العراق بشرق سوريا، وهو ما يمنح أي قوة تتمركز هناك قدرة عالية على مراقبة التحركات الإقليمية وتنفيذ عمليات استطلاع أو إسناد بعيدة المدى. ومن الناحية العملياتية، فإن اختيار النخيب يحمل دلالة شديدة الأهمية، لأنها تقلص المسافة الفعلية بين إسرائيل والعمق الإيراني مقارنة بالانطلاق المباشر من القواعد الجوية داخل فلسطين المحتلة، بما يخفف الضغط اللوجستي على الطائرات بعيدة المدى والطائرات بدون طيار ومنصات الاستطلاع الإلكتروني. كما أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة تسمح بتنفيذ عمليات جوية منخفضة الارتفاع مع فرص أعلى للتمويه وتقليل احتمالات الكشف الراداري المبكر.
أما القاعدة الثانية، فتبدو ـ وفق المعطيات المتداولة ـ مرتبطة بنطاق أوسع داخل الصحراء الغربية الممتدة بين الأنبار والحدود السورية، مع ترجيحات بأنها خُصصت بصورة أكبر لدعم عمليات الإنقاذ القتالي والإسناد اللوجستي وعمليات القوات الخاصة. وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة بسبب قربها من الممرات الصحراوية المفتوحة التي استخدمت تاريخياً في العمليات العسكرية الأمريكية خلال حرب العراق، إضافة إلى كونها منطقة شديدة التعقيد من حيث السيطرة الأمنية والمراقبة المستمرة.
وتشير طبيعة المنطقة إلى أنها كانت مناسبة لإنشاء مواقع هبوط مؤقتة للمروحيات أو نقاط إسناد للطائرات وطواقم الإنقاذ في حال تعرض أي مهمة إسرائيلية بعيدة المدى للفشل أو الاستهداف داخل المجال الإيراني. كما أن وجود قاعدة بهذا النوع داخل العمق الصحراوي العراقي يعكس مستوى متقدماً للغاية من التخطيط العملياتي، لأن عمليات البحث والإنقاذ القتالي خلف خطوط العدو تعد من أعقد المهام العسكرية وأكثرها حساسية، وتتطلب بنية اتصالات واستخبارات وإمداد متكاملة.
ويعني وجود منشأة مخصصة لعمليات البحث والإنقاذ القتالي داخل العراق أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع فكرة العمليات بعيدة المدى ضد إيران باعتبارها مجرد “ضربات محدودة”، بل كجزء من بنية عملياتية متكاملة تشمل التخطيط لاحتمالات الفشل والاشتباك الممتد والإخلاء والدعم الطبي واللوجستي والاستخباراتي. وهذه نقطة مفصلية تعكس مستوى متقدماً للغاية من التخطيط العملياتي طويل المدى.
كما أن وجود قواعد بهذا الشكل داخل العراق يسلط الضوء على الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للساحة العراقية في الصراع الإقليمي. فالعراق تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة تنافس استخباراتي وعسكري مفتوح بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من القوى الإقليمية، بسبب موقعه الجغرافي الفاصل بين الخليج وبلاد الشام وإيران. وبالتالي فإن أي وجود استخباراتي أو عملياتي داخل العراق يمنح صاحبه قدرة استثنائية على مراقبة التحركات الإقليمية والتأثير في خطوط الإمداد والاتصالات.
وفي سياق متصل، تعود إلى الواجهة لقطات أثارت جدلاً واسعاً قبل فترة، عندما نشر راعٍ سوري في ريف دير الزور الشرقي مقطع فيديو يُظهر طائرتي نقل عسكري تحلقان على ارتفاع منخفض للغاية باتجاه الحدود العراقية، ورجحت تحليلات غير رسمية آنذاك أن الطائرتين كانتا من طراز C-130 Hercules مخصصة للنقل التكتيكي والعمليات الخاصة. ورغم عدم وجود تأكيد رسمي يربط تلك الواقعة بالقواعد السرية داخل العراق، فإن توقيت الفيديو وطبيعة المسار الجوي المنخفض واتجاه الطيران نحو الصحراء العراقية يفتح باباً واسعاً أمام فرضية وجود نشاط لوجستي أو عملياتي مرتبط بهذه المنشآت السرية.
فالطائرات من فئة C-130 تُستخدم عادة في مهام نقل القوات الخاصة والإمداد السريع والإنزال التكتيكي والعمليات الليلية منخفضة الارتفاع، وهي مهام تتوافق بصورة كبيرة مع طبيعة القواعد التي تحدثت عنها التقارير الأخيرة. كما أن التحليق المنخفض في تلك المنطقة الصحراوية يعكس غالباً محاولة لتقليل احتمالات الرصد الراداري، وهي تكتيكات ترتبط تقليدياً بالعمليات السرية أو التحركات العسكرية الحساسة داخل البيئات المعادية أو شديدة المراقبة. وبالتالي، فإن الربط بين الحادثتين يبقى ضمن نطاق التحليل والاستنتاج غير المؤكد، لكنه من الناحية العسكرية يبدو منطقياً ومتسقاً مع طبيعة النشاط العملياتي الذي يُعتقد أنه كان يجري داخل الصحراء الغربية العراقية خلال تلك الفترة.
ومن الناحية العسكرية البحتة، تكشف هذه المعلومات أن إسرائيل تعمل منذ سنوات على تطوير مفهوم “الانتشار غير المباشر” أو “العمق المرن”، أي بناء نقاط ارتكاز سرية أو شبه سرية خارج حدودها المباشرة تسمح بتنفيذ عمليات بعيدة المدى دون الاعتماد الكامل على القواعد المحلية داخل فلسطين المحتلة. وهذا المفهوم أصبح أكثر أهمية مع التطور الكبير في قدرات الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية، والتي رفعت من مستوى التهديد ضد القواعد الجوية الإسرائيلية التقليدية.
كما أن هذه التطورات تتزامن مع تصاعد غير مسبوق في طبيعة الحرب الخفية بين إيران وإسرائيل. فخلال العقد الأخير، انتقل الصراع من عمليات اغتيال محدودة وهجمات سيبرانية متفرقة إلى شبكة واسعة من العمليات الجوية والبحرية والاستخباراتية والهجمات على خطوط الإمداد والمنشآت النووية والضربات غير المعلنة داخل عدة دول إقليمية. وفي هذا السياق، يبدو أن بناء قواعد أو نقاط دعم خارجية أصبح جزءاً من التحضير الإسرائيلي لاحتمالات التصعيد المستقبلي الأوسع.
ويحمل الكشف عن هذه القواعد أيضاً أبعاداً تتعلق بطبيعة التطور التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي. فإدارة قواعد سرية داخل بيئة معقدة مثل العراق تتطلب بنية اتصالات واستخبارات ومراقبة عالية الكفاءة، إضافة إلى شبكات لوجستية وتأمين محلي وإقليمي معقد للغاية. كما أن استمرار عمل هذه المنشآت لفترات طويلة دون انكشاف كامل يشير إلى مستوى مرتفع من العمل الاستخباراتي متعدد الطبقات.
وفي المقابل، يضع هذا التطور إيران أمام تحديات إضافية تتعلق بأمنها الإقليمي والعمق الدفاعي المحيط بها. فطهران لطالما اعتمدت على اتساع المجال الجغرافي والمسافات الطويلة كجزء من استراتيجية الردع ضد أي هجوم خارجي، لكن وجود نقاط عملياتية إسرائيلية أقرب إلى حدودها قد يقلص جزئياً من بعض هذه المزايا، خاصة في مجالات الاستطلاع والاستجابة السريعة والإنقاذ والإسناد العملياتي.
كما أن هذا النوع من القواعد يعكس التحول العالمي نحو الحروب الرمادية والحروب غير التقليدية، حيث لم تعد المواجهات تعتمد فقط على الجيوش التقليدية أو خطوط الجبهة الواضحة، بل على شبكات مرنة من العمليات السرية والطائرات بدون طيار والاستخبارات والقدرات السيبرانية ونقاط الارتكاز المتقدمة.
ومن المهم الإشارة إلى أن المعلومات المتداولة حول هذه القواعد ما تزال ضمن نطاق التقارير الاستخباراتية والإعلامية ولم يصدر تأكيد رسمي كامل من الجانب الإسرائيلي أو العراقي، وهو ما ينسجم مع الطبيعة السرية لهذا النوع من العمليات. لكن حتى في حال بقاء جزء من التفاصيل غير مؤكد، فإن مجرد تداول هذه المعلومات بهذا المستوى يعكس حجم التحولات الجارية في طبيعة الصراع الإقليمي بين إسرائيل وإيران.
وفي المحصلة، فإن الحديث عن قواعد إسرائيلية سرية داخل العراق لا يمثل مجرد تفصيل استخباراتي عابر، بل يكشف عن مرحلة جديدة أكثر تعقيداً من الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتحول الجغرافيا الإقليمية بأكملها إلى ساحة عمليات مفتوحة للحرب غير المعلنة بين القوى الكبرى في المنطقة. كما يؤكد أن المواجهة بين إيران وإسرائيل باتت تعتمد بصورة متزايدة على العمق العملياتي والاستخبارات والشبكات السرية والقدرة على إدارة الصراع بعيداً عن الحدود التقليدية المباشرة، وهو ما قد تكون له انعكاسات خطيرة على توازنات الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.