أخبار: Roketsan تدشن حقبة "الاستقلال الدفاعي" باستثمارات غير مسبوقة

في لحظة فارقة من تاريخ الصناعات العسكرية التركية، رعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراسم افتتاح وتدشين مجموعة من المنشآت الإنتاجية الكبرى التابعة لشركة Roketsan، معلناً عن تسليم دفعة ضخمة من الأنظمة الصاروخية والذخائر الذكية لتعزيز قدرات القوات المسلحة التركية. لم يكن الحدث مجرد توسعة صناعية عادية، بل اعتُبر إعلاناً رسمياً عن دخول تركيا نادي الكبار في تكنولوجيا الصواريخ البالستية بعيدة المدى والمنظومات الدفاعية المتكاملة، عبر استثمارات استراتيجية بلغت قيمتها الإجمالية 3 مليارات دولار.

شملت المراسم افتتاح المرحلة الأولى من الاستثمارات التي بلغت قيمتها 1 مليار دولار، وتضمنت منشأة Lalahan Warhead Plant، التي تُصنف كأكبر مصنع للرؤوس الحربية في أوروبا بمساحة تصل إلى 21 ألف متر مربع. تهدف هذه المنشأة إلى إنتاج الرؤوس الحربية المتقدمة للصواريخ المضادة للدبابات، فضلاً عن الرؤوس التدميرية والمنشقة المخصصة للصواريخ البالستية. كما تم تدشين مجمع لإنتاج الوقود الصاروخي في منطقة Kirikkale، وهو استثمار حيوي يضمن لتركيا الاكتفاء الذاتي في المواد الأولية الدافعة للمحركات الصاروكية، بعيداً عن تقلبات سلاسل التوريد العالمية.

وفي خطوة تعكس طموح الشركة المستقبلي، تم وضع حجر الأساس لمنشآت Lalahan Missile Integration Facilities، الممتدة على مساحة 72 ألف متر مربع. وبمجرد اكتمالها، من المتوقع أن تضاعف هذه المنشآت قدرة خطوط الإنتاج المتسلسل للصواريخ بمقدار خمسة أضعاف، مما يوفر استجابة فورية لاحتياجات الجيش التركي والطلبات المتزايدة من الأسواق الدولية.

شهدت المراسم تسليم أكثر من 20 منظومة سلاح استراتيجية إلى القوات المسلحة التركية، في مقدمتها الصاروخ البالستي Tayfun (تايفون)، وصاروخ الكروز الجوال Kara Atmaca المخصص للأهداف البرية، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى Siper. كما ضمت القائمة مجموعة واسعة من الأسلحة الدقيقة مثل:

- صواريخ الدفاع الجوي: Hisar-A و Hisar-O و Sungur.

- الصواريخ البحرية والجوية: Atmaca و Som و Cakir.

- الذخائر الذكية للطائرات المسيرة: MAM-L و MAM-C و MAM-T.

- الأسلحة المضادة للدبابات: Karaok و Omtas و Lumtas.

وكان اللافت في الحفل ظهور صاروخ بالستي ضخم غير محدد الهوية، يُعتقد أنه النسخة الأكثر تطوراً Tayfun Block-4 أو الصاروخ Cenk، وهو ما يشير إلى أن أنقرة قد تجاوزت بالفعل عتبة الـ 1000 كيلومتر في تجاربها الصاروخية، مما يمنحها قدرة "الضربة العميقة" في أي صراع إقليمي محتمل.

تمثل هذه الخطوات تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية التركية، من "الدفاع السلبي" المعتمد على منصات الحلفاء، إلى "الردع النشط" المعتمد على التصنيع المحلي الخالص. إن قدرة Roketsan على بناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات (Steel Dome) باستخدام منظومات مثل Hisar و Siper، تزامناً مع تطوير قدرات هجومية بمديات تتجاوز 500 إلى 800 كيلومتر، تضع تركيا في موضع "القوة الإقليمية المهيمنة" التي لا يمكن اختراق أجوائها أو استهداف عمقها دون دفع أثمان باهظة.

استراتيجياً، يعكس هذا الاستثمار الضخم رغبة أنقرة في تحقيق "الاستقلال التكنولوجي المطلق". ففي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، أثبتت النزاعات في أوكرانيا والشرق الأوسط أن السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ والقدرة على الإنتاج الكمي المستدام هي مفتاح البقاء. تركيا اليوم لا تشتري السلاح، بل تصنع "سلاسل القيمة" الخاصة به، بدءاً من الوقود الصاروخي وصولاً إلى أنظمة التوجيه الدقيقة، مما يحصن قرارها السياسي من أي ضغوط أو حظر توريد خارجي.

على الصعيد العالمي، تبرز Roketsan كلاعب متمرد يكسر احتكار القوى العظمى لسوق الصواريخ عالية التقنية. فمع وصول حجم طلبات الشركة إلى أكثر من 10 مليارات دولار وتصدير منتجاتها إلى قرابة 50 دولة، أصبحت المنظومات التركية "خياراً ثالثاً" جذاباً للدول التي تبحث عن الفعالية القتالية المثبتة في الميدان (Battle-proven) بتكلفة تنافسية وشروط سياسية أقل تعقيداً.

إن نجاح صواريخ مثل Tayfun و Atmaca في الوصول إلى مرحلة الإنتاج الكمي يهدد حصص الشركات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، خاصة في أسواق الشرق الأوسط، جنوب شرق آسيا، وأفريقيا. علاوة على ذلك، فإن دخول Roketsan في برامج الفضاء عبر مشروعي Simsek 1 و Simsek 2 لإطلاق الأقمار الصناعية بمركبات محلية الصنع، سيفتح أمامها آفاقاً تجارية وعسكرية جديدة، مما يجعلها قاطرة لنمو الاقتصاد الوطني التركي القائم على المعرفة والصناعات الثقيلة.