أعلنت شركة HAVELSAN، الرائدة عالمياً في مجالات البرمجيات الدفاعية والأنظمة الذكية، عن تدشين مرحلة توسعية كبرى تهدف إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية في منطقتي أوروبا والشرق الأوسط. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لتتوج مسيرة الشركة في التحول من "مورد محلي" إلى "شريك تكنولوجي عالمي" قادر على توطين المعرفة العسكرية المتقدمة في الأسواق الدولية الأكثر حيوية.
وضعت HAVELSAN حجر الأساس لمرفق إنتاج وتكامل أجهزة المحاكاة الجديد في منطقة "كهرمان كازان" بأنقرة، ضمن منطقة "هاب" (HAB) المتخصصة في صناعات الفضاء والطيران. وتعد هذه المنشأة، التي تمتد على مساحة تصل إلى 60 ألف متر مربع، حجر الزاوية في خطة الشركة لتعزيز سلاسل التوريد الخاصة بها الموجهة للسوقين الأوروبي والشرق أوسطي. ومن المتوقع أن تستوعب المنشأة أكثر من 600 متخصص، مع قدرة إنتاجية تصل إلى دمج 16 جهاز محاكاة طيران كامل في وقت واحد، وإنتاج أكثر من 30 جهازاً سنوياً.
لا يقتصر طموح HAVELSAN على الداخل التركي، بل يمتد عبر شبكة من الشراكات العميقة؛ ففي أوروبا، عززت الشركة حضورها عبر مذكرة تفاهم استراتيجية مع شركة Karel Europe في رومانيا، تهدف إلى تطوير حلول تقنية عالية القيمة للقطاع الدفاعي الروماني، مما يفتح بوابة واسعة للشركة للدخول إلى الأسواق الدفاعية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عبر تقديم أنظمة e-maritime وحلول تكنولوجيا المعلومات العسكرية.
أما في الشرق الأوسط، فقد شهد "معرض الدفاع العالمي" (WDS 2026) في الرياض توقيع اتفاقيات مفصلية بين HAVELSAN ووزارة الاستثمار السعودية والهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI). هذه الاتفاقيات تهدف إلى تأسيس مكتب دائم للشركة في المملكة، لتنضم إلى مكاتبها الحالية في عُمان وقطر، مع التركيز على توطين تقنيات C4ISR وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، ودعم رؤية المملكة لتوطين الصناعات العسكرية.
تتمحور استراتيجية HAVELSAN في هذا التوسع حول مفهوم "القوات الرقمية" (Digital Troops)، وهو مفهوم ثوري يدمج بين المنصات المأهولة وغير المأهولة في بيئة قتال شبكية موحدة. وتبرز في مقدمة هذه المنتجات الدفاعية طائرة BAHA (وهي طائرة دون طيار ذات قدرات إقلاع وهبوط عمودي)، والعربة الأرضية غير المأهولة BARKAN، بالإضافة إلى المركبة البحرية المسلحة المسيرة SANCAR.
وتعتمد هذه المنصات على برمجيات متقدمة وخوارزميات "أسراب الدرونز"، مما يمنح الجيوش قدرة على التفوق العملياتي من خلال الاستطلاع الذكي والاشتباك الدقيق بأقل قدر من المخاطر البشرية. كما تبرز ريادة الشركة في قطاع المحاكاة عبر مركز التميز الذي يقدم حلول تدريب متقدمة لمنصات الطيران مثل F-16، وطائرات الهليكوبتر، وحتى أنظمة تدريب القوات الخاصة، وهو ما يجعل من HAVELSAN المورد المفضل للشركاء الباحثين عن كفاءة تدريبية عالية بتكاليف تشغيلية منخفضة.
يحمل هذا التوسع في طياته دلالات جيوسياسية عميقة تتجاوز الأرقام التجارية؛ فمن الناحية الاستراتيجية، تنجح HAVELSAN في تحويل تركيا إلى "قطب تكنولوجي" يربط بين المنظومة الدفاعية الأوروبية (الناتو) والمتطلبات الدفاعية الناشئة في الشرق الأوسط وإفريقيا.
إن التوجه نحو رومانيا يعكس رغبة أنقرة في أن تكون جزءاً أصيلاً من سلاسل توريد الجناح الشرقي للناتو، وهو ما يعزز نفوذها السياسي داخل التحلف. وفي المقابل، فإن التعاون مع السعودية ومصر (عبر الشراكة مع الهيئة العربية للتصنيع - AOI) يعكس فهماً عميقاً لتحولات موازين القوى؛ حيث تسعى دول المنطقة إلى "تنويع مصادر التسلح" و"امتلاك السيادة التكنولوجية". بتقديمها حلولاً قابلة للتوطين، تضع HAVELSAN نفسها كبديل استراتيجي وجذاب للشركات الغربية التقليدية التي غالباً ما تضع قيوداً صارمة على نقل التكنولوجيا.
كما أن التركيز على تقنيات C4ISR والبرمجيات السيبرانية يعني أن الشركة التركية تستهدف السيطرة على "عقل" المنظومات الدفاعية الحديثة، وليس فقط "أجسادها" (المنصات)، مما يجعل الاعتماد عليها طويل الأمد وذا أثر استراتيجي مستدام.
إن إعلان HAVELSAN عن تعزيز قدراتها التصنيعية في أوروبا والشرق الأوسط ليس مجرد توسع تجاري لشركة دفاعية، بل هو إعادة تمركز لتركيا كلاعب دولي يمتلك مفاتيح التكنولوجيا العسكرية المستقبلية. إن هذا الحراك يضع حجر الأساس لمستقبل تكون فيه السيادة الوطنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على التحكم في البرمجيات والأنظمة المسيرة، وهي الساحة التي قررت HAVELSAN أن تكون هي الرائد الأول فيها.