في خطوة استراتيجية تعكس تنامي التحالفات الدفاعية بين القوى الصناعية الصاعدة في أوراسيا وأوروبا الوسطى، أعلنت شركة Aselsan التركية الرائدة في مجال الإلكترونيات الدفاعية، ومجموعة Czechoslovak Group (CSG) التشيكية العملاقة، عن تدشين مشروع مشترك (Joint Venture) يتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً له. يهدف هذا التعاون الصناعي الرفيع إلى دمج نظام الدفاع الجوي ذاتي الدفع KORKUT، الذي طورته Aselsan، على شاسيهات المركبات العسكرية الثقيلة TATRA 815-7 بنظام الدفع 6x6، لتقديم حل دفاعي جوي متطور يجمع بين الدقة النارية التركية والصلابة الميكانيكية التشيكية.
تم الإعلان عن هذا المشروع خلال مراسم رسمية شهدت حضوراً لافتاً من القيادات العسكرية والصناعية، حيث مثل الجانب التركي البروفيسور Ahmet Akyol، الرئيس التنفيذي لشركة Aselsan، بينما مثل الجانب التشيكي Michal Strnad، رئيس مجلس إدارة Czechoslovak Group. ويأتي هذا التحالف ليتوج سلسلة من المشاورات التقنية التي هدفت إلى خلق منصة دفاعية قادرة على تلبية متطلبات حلف الناتو والأسواق العالمية الناشئة.
يعد نظام KORKUT واحداً من أكثر أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى (VSHORAD) كفاءة في العالم، حيث صُمم لمواجهة التهديدات الجوية الحديثة بما في ذلك الطائرات بدون طيار (UAVs)، والصواريخ الجوالة، والذخائر الموجهة بدقة. وتتوزع القدرات التقنية لهذا التعاون على عدة محاور:
- القوة النارية والذخيرة الذكية: يعتمد النظام على مدفع مزدوج عيار 35mm قادر على إطلاق ذخيرة ATOM المبرمجة (Air Burst Ammunition)، وهي تقنية تتيح تفجير القذيفة في نقطة محددة أمام الهدف لضمان تدميره بشظايا كثيفة، مما يجعله مثالياً لمواجهة أسراب "الدرونز".
- المنصة الحركية TATRA: يوفر شاسيه TATRA 815-7 (6x6) قدرة استثنائية على التنقل في التضاريس الوعرة بفضل نظام التعليق المستقل الفريد، مما يمنح منظومة KORKUT مرونة تكتيكية عالية وسرعة في الانتشار وإعادة التمركز.
- الرادار والتحكم: يدمج المشروع المشترك رادارات تتبع ثلاثية الأبعاد (3D Tracking Radars) وأنظمة كهروبصرية متطورة من إنتاج Aselsan، مما يسمح للمنظومة بالعمل بشكل مستقل تماماً في تحديد الأهداف وتدميرها دون الحاجة لوحدات دعم خارجية.
يمثل هذا المشروع المشترك تحولاً جيوسياسياً في خارطة التصنيع الدفاعي الأوروبي. فبالنسبة لتركيا، يعد هذا التعاون "بوابة ذهبية" لترسيخ أقدام صناعاتها الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عبر شراكة مع دولة عضو (التشيك)، مما يسهل تجاوز القيود البيروقراطية أو السياسية التي قد تواجه الصادرات الدفاعية التركية المباشرة.
أما بالنسبة لجمهورية التشيك ومجموعة CSG، فإن هذا التحالف يمنحها القدرة على تقديم حلول دفاع جوي متكاملة في وقت تعاني فيه أوروبا من نقص حاد في هذه الأنظمة نتيجة التوترات الجيوسياسية الراهنة في شرق القارة. استراتيجياً، يساهم دمج KORKUT على منصات TATRA في تعزيز مفهوم "السيادة الصناعية المشتركة"، حيث يتم دمج خبرات بلدين يمتلكان تاريخاً عريقاً في الصناعات الميكانيكية والإلكترونية لخلق منتج ينافس العمالقة التقليديين في القارة العجوز.
على الصعيد العالمي، سيؤدي إطلاق هذا المشروع المشترك إلى إحداث تغييرات ملموسة في سوق أنظمة الدفاع الجوي المتنقلة:
- كسر الاحتكار الغربي: يقدم تحالف Aselsan و CSG بديلاً عالي التقنية وأقل تكلفة مقارنة بالأنظمة الأمريكية والأوروبية الغربية المماثلة، مما سيجذب اهتمام دول الشرق الأوسط، جنوب شرق آسيا، وأفريقيا التي تبحث عن أنظمة مجربة ميدانياً (Battle-proven).
- تعزيز معايير "النمطية" (Modularity): يثبت هذا التعاون أن المستقبل في سوق السلاح هو للأنظمة القابلة للدمج (Plug-and-play)، حيث يمكن تركيب "برج" قتالي متطور من دولة على "هيكل" مركبة من دولة أخرى، مما يحفز شركات أخرى على سلوك نفس النهج لتقليل تكاليف البحث والتطوير.
- الاستجابة لتهديدات الحروب الحديثة: مع تزايد الاعتماد على الطائرات الانتحارية بدون طيار في النزاعات المعاصرة، يضع هذا المشروع نظام KORKUT كمعيار عالمي في الدفاع عن القوات المتحركة، مما قد يدفع شركات مثل Rheinmetall أو Raytheon إلى إعادة النظر في استراتيجياتها التنافسية في قطاع المدافع المضادة للطائرات.
إن المشروع المشترك بين Aselsan و Czechoslovak Group ليس مجرد اتفاقية تجارية، بل هو إعلان عن ولادة "عملاق دفاعي" جديد في قلب أوروبا، يجمع بين الابتكار التكنولوجي التركي والخبرة الهندسية التشيكية، ليقدم للعالم حلاً جذرياً لتحديات الأمن الجوي في القرن الحادي والعشرين.