تتجه أستراليا نحو ترسيخ مكانتها كقوة صناعية وعسكرية صاعدة في منطقة الهندوباسيفيك، بعدما أعلنت الحكومة الأسترالية توسيع برنامج التصنيع المحلي لصواريخ Naval Strike Missile (NSM) وJoint Strike Missile (JSM) بالتعاون مع شركة Kongsberg Defence & Aerospace النرويجية، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد إنتاج صواريخ مضادة للسفن، لتؤسس عملياً لأول قاعدة تصنيع متكاملة لهذا النوع من الأسلحة خارج النرويج.
ويأتي المشروع ضمن استراتيجية أسترالية واسعة لإعادة بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على دعم “الردع بعيد المدى” وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المحيطين الهندي والهادئ وتزايد المخاوف من أي مواجهة محتملة مع الصين في بحر الصين الجنوبي أو غرب المحيط الهادئ.
وبحسب الاتفاق الجديد، ستستثمر كانبيرا ما يصل إلى 850 مليون دولار أسترالي لإنشاء وتشغيل مصنع صاروخي متقدم في مدينة نيوكاسل بولاية نيو ساوث ويلز، على أن يبدأ الإنتاج الفعلي خلال عام 2027، مع خطط لتوفير الصواريخ للقوات المسلحة الأسترالية ولدول حليفة وشريكة مستقبلاً.
يمثل صاروخ NSM أحد أكثر الصواريخ المضادة للسفن تطوراً في العالم حالياً، وقد طورته Kongsberg ليكون صاروخاً شبحياً عالي المناورة قادرًا على مهاجمة السفن والأهداف البرية عبر مسارات طيران منخفضة جداً فوق سطح البحر. ويعتمد الصاروخ على باحث تصوير حراري متقدم وتقنيات ملاحة مستقلة تمنحه قدرة عالية على اختراق الدفاعات الجوية الحديثة.
وتخطط البحرية الملكية الأسترالية لاعتماد NSM بصورة واسعة على متن مدمرات Hobart-class وفرقاطات Anzac-class الحالية، إضافة إلى السفن المستقبلية ضمن برنامج تحديث الأسطول البحري.
أما JSM فهو النسخة الجوية المطورة من NSM، والمصممة خصيصاً للعمل من داخل مخازن الأسلحة الداخلية للمقاتلة الشبحية F-35A Lightning II، ما يمنح أستراليا قدرة هجومية بعيدة المدى مع الحفاظ على الخصائص الشبحية للطائرة.
ويتميز JSM بقدرته على تنفيذ ضربات بحرية وبرية دقيقة على مسافات بعيدة، مع إمكانية تحديث بيانات الهدف أثناء الطيران عبر وصلة بيانات ثنائية الاتجاه، ما يجعله أحد أخطر صواريخ الهجوم البحري المحمولة جواً ضمن ترسانة الجيل الخامس.
يمثل المشروع نقطة تحول تاريخية للصناعة العسكرية الأسترالية، إذ سيكون مصنع نيوكاسل أول منشأة خارج النرويج قادرة على إنتاج وصيانة صواريخ NSM وJSM بالكامل. ووفق الخطط المعلنة، سيشمل المشروع:
- تصنيع وتجميع الصواريخ.
- صيانة وإعادة تأهيل الأنظمة.
- إنتاج بعض المكونات محلياً.
- تطوير سلسلة إمداد أسترالية للصناعات الصاروخية.
- توفير فرص تصدير مستقبلية للحلفاء الإقليميين.
كما يرتبط المشروع مباشرة ببرنامج Guided Weapons and Explosive Ordnance Enterprise (GWEO)، الذي أطلقته الحكومة الأسترالية لبناء صناعة وطنية متكاملة للأسلحة الذكية والصواريخ بعيدة المدى، وسط توجه أوسع لتحويل أستراليا إلى مركز إقليمي لإنتاج الذخائر المتقدمة.
تعكس هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في العقيدة الدفاعية الأسترالية، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من التركيز على العمليات الاستكشافية ودعم التحالفات الغربية إلى بناء قدرة مستقلة على “الردع بعيد المدى” داخل البيئة البحرية المحيطة بالقارة.
فأستراليا باتت تدرك أن أي مواجهة مستقبلية في الهندوباسيفيك ستعتمد بصورة أساسية على السيطرة البحرية والضربات الدقيقة بعيدة المدى، وليس فقط على التفوق التقليدي في القوات البرية أو الجوية.
ومن هنا يبرز الدور المحوري لصواريخ NSM وJSM، خاصة مع تزايد النشاط البحري الصيني وتوسع قدرات بكين في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ.
ويرى محللون أن امتلاك أستراليا لقدرة إنتاج محلية لهذه الصواريخ يمنحها مرونة استراتيجية كبيرة في أوقات الأزمات، خصوصاً إذا تعرضت خطوط الإمداد العالمية للضغط أو الانقطاع خلال أي صراع واسع النطاق.
كما أن المشروع يعزز قدرة أستراليا على دعم حلفائها في المنطقة، ضمن شبكة الردع الغربية التي تضم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.
لا يأتي مشروع NSM وJSM بصورة منفصلة، بل ضمن عملية إعادة تسليح شاملة تنفذها أستراليا منذ عدة سنوات لبناء قوة هجومية بعيدة المدى متعددة المنصات. فالقوات الأسترالية تعمل حالياً على إدخال:
- منظومات M142 HIMARS الأمريكية.
- صواريخ Tomahawk بعيدة المدى.
- صواريخ PrSM المستقبلية.
- صواريخ LRASM المضادة للسفن.
- توسيع أسطول مقاتلات F-35A.
وفي هذا السياق، تمنح NSM وJSM أستراليا طبقة هجومية مرنة قادرة على تنفيذ ضربات بحرية وبرية دقيقة من البر والبحر والجو في وقت واحد، بما ينسجم مع مفهوم “الردع متعدد المجالات” الذي تتبناه العقيدة الغربية الحديثة.
يحمل المشروع أيضاً أهمية اقتصادية وصناعية كبيرة لأستراليا، إذ تتوقع الحكومة خلق مئات الوظائف عالية المهارة داخل قطاع الصناعات الدفاعية، إضافة إلى تطوير شبكة مورّدين محليين للمكونات الإلكترونية والميكانيكية وأنظمة الدفع والتوجيه.
كما أن المصنع الجديد سيحول مدينة نيوكاسل إلى أحد أهم مراكز الصناعات الصاروخية في منطقة آسيا-المحيط الهادئ، مع توقعات بأن يصبح لاحقاً قاعدة تصدير للأسلحة الذكية إلى الحلفاء والشركاء الغربيين.
ومن الناحية الصناعية، يمثل المشروع أيضاً نجاحاً كبيراً لشركة Kongsberg، التي تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحويل NSM وJSM إلى أحد أكثر برامج الصواريخ الغربية نجاحاً، مع اعتماد المنظومتين من قبل الولايات المتحدة وألمانيا وبولندا واليابان وكندا وأستراليا وعدة دول أخرى.
تعكس الخطوة الأسترالية اتجاهاً أوسع داخل منطقة الهندوباسيفيك نحو بناء قدرات إنتاج محلية للصواريخ والذخائر الدقيقة، بعدما أظهرت الحرب الأوكرانية هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وصعوبة الاعتماد الكامل على الواردات العسكرية خلال النزاعات الممتدة.
كما أن التوسع الأسترالي في إنتاج الصواريخ بعيدة المدى يضيف طبقة جديدة إلى سباق التسلح البحري المتسارع في المنطقة، خاصة مع توسع الصين في نشر قدراتها الصاروخية المضادة للسفن وتزايد الاستثمارات الأمريكية واليابانية والكورية في أنظمة الضربات الدقيقة.
ويرى خبراء أن السنوات المقبلة قد تشهد تحول أستراليا إلى أحد أهم مراكز إنتاج الأسلحة الدقيقة الغربية خارج الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً إذا نجحت كانبيرا في دمج برامج الصواريخ الحالية مع مشاريع الذخائر الذكية والطائرات غير المأهولة وأنظمة الدفاع الساحلي.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الحالية، تبدو صواريخ NSM وJSM أكثر من مجرد برامج تسليح؛ بل جزءاً من إعادة تشكيل ميزان الردع البحري في الهندوباسيفيك، حيث أصبحت القدرة على إنتاج الصواريخ محلياً لا تقل أهمية عن امتلاكها في ساحات القتال الحديثة.