أخبار: إندونيسيا تبدأ بناء أول غواصة Scorpène Evolved محليًا

بدأت إندونيسيا رسميًا بناء أول غواصة Scorpène Evolved محليًا لصالح البحرية الإندونيسية، بعد أن نفذت شركة PT PAL Indonesia عملية قطع أول ألواح الفولاذ للغواصة في منشآتها بمدينة سورابايا في 7 أغسطس 2026، بالتعاون مع شركة Naval Group الفرنسية. ويمثل هذا الحدث نقطة تحول مهمة في برنامج الغواصات الإندونيسي، لأنه ينقل المشروع من مراحل الإعداد والتأهيل الصناعي إلى التصنيع الفعلي لهيكل غواصة عملياتية داخل إندونيسيا، ضمن برنامج يهدف إلى تعزيز قدرات البلاد على بناء وصيانة الغواصات محليًا.

وتتولى PT PAL Indonesia تنفيذ عملية البناء بالتعاون مع Naval Group بموجب عقد يشمل غواصتين من طراز Scorpène Evolved Full LiB، وهو الإصدار الأحدث من عائلة الغواصات الفرنسية التقليدية، والمزود بنظام بطاريات يعتمد بالكامل على تقنية Lithium-Ion بدلًا من منظومات البطاريات التقليدية المستخدمة في الإصدارات الأقدم. ويبلغ طول الغواصة نحو 72 مترًا، بينما يستغرق بناء كل غواصة وفق الجدول الحالي نحو 96 شهرًا، أي قرابة ثماني سنوات، مع التخطيط لتسليم الغواصة الأولى عام 2032 والثانية عام 2033.

ويأتي بدء التصنيع بعد فترة طويلة من التحضير الصناعي، إذ بدأ التعاون الإندونيسي الفرنسي في إطار هذا البرنامج بعد توقيع عقد شراء الغواصتين في أبريل 2024، قبل دخول العقد حيز التنفيذ رسميًا في يوليو 2025. وخلال هذه الفترة عملت PT PAL على تجهيز البنية التحتية وتدريب الكوادر وتأهيل عمليات الإنتاج، وصولًا إلى تنفيذ مقطع تأهيلي لعملية قطع وتجميع الهيكل في ديسمبر 2025، بهدف التأكد من قدرة العمالة الإندونيسية على تطبيق إجراءات اللحام والمعالجة الحرارية والفحص وضبط الأبعاد وفق المعايير المطلوبة لبناء الغواصات.

وتكتسب مرحلة التأهيل السابقة أهمية خاصة، لأن تصنيع الغواصات يختلف جذريًا عن بناء السفن السطحية من حيث متطلبات الدقة والسلامة. فالهيكل الضاغط للغواصة يجب أن يتحمل ضغوطًا هائلة أثناء الغوص، وأي خلل في جودة اللحام أو محاذاة قطاعات الهيكل يمكن أن تكون له آثار مباشرة على سلامة الغواصة. ولذلك فإن نجاح PT PAL في الانتقال من تصنيع مقطع تأهيلي إلى قطع الفولاذ للهيكل العملياتي يمثل مؤشرًا على وصول الشركة إلى مرحلة متقدمة من الجاهزية الصناعية، وإن كان لا يعني بعد امتلاك إندونيسيا قدرة مستقلة بالكامل على تصنيع جميع مكونات الغواصة.

وبحسب البيانات المتاحة، وصلت نسبة الإنجاز الإجمالية للبرنامج إلى نحو 20.5% عند بدء عملية قطع الفولاذ، وهي نسبة تشمل الأعمال التي سبقت تصنيع الهيكل، مثل التصميم والهندسة، وتجهيز خطوط الإنتاج، والبنية التحتية، وتدريب العاملين، وعمليات التأهيل، وشراء بعض المكونات. وبالتالي فإن هذه النسبة لا تعني أن خُمس الهيكل المادي للغواصة قد اكتمل، وإنما تعكس حجم الأعمال المنجزة في البرنامج ككل قبل بدء تصنيع الهيكل الرئيسي.

وتتمتع Scorpène Evolved Full LiB بقدرات محسنة مقارنة بالإصدارات السابقة من الغواصة، إذ يعتمد تصميمها على منظومة دفع تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء مع استخدام بطاريات Lithium-Ion ذات كثافة طاقة أعلى. ويسمح هذا الحل برفع القدرة على تخزين الطاقة وتحسين أداء الغواصة تحت الماء، إلى جانب تقليل بعض القيود المرتبطة بتراجع أداء البطاريات التقليدية مع انخفاض مستوى الشحن.

وتشير بيانات Naval Group إلى أن هذا الإصدار يمتلك مدى تشغيليًا يتجاوز 8,000 ميل بحري، وقدرة على البقاء في البحر لفترة تتجاوز 78 يومًا، مع أكثر من 12 يومًا من الاستقلالية تحت الماء. كما يمكن للغواصة الوصول إلى سرعة تتجاوز 20 عقدة تحت الماء، مع قدرة على الغوص إلى أعماق تتجاوز 300 متر. وتمنح هذه الخصائص الغواصة قدرة أكبر على تنفيذ الدوريات الممتدة في بيئة بحرية واسعة مقارنة بالإصدارات السابقة من Scorpène.

وتكتسب هذه القدرات أهمية خاصة بالنسبة لإندونيسيا بسبب طبيعتها الجغرافية، إذ تتكون البلاد من آلاف الجزر وتمتلك منطقة اقتصادية خالصة شاسعة، ما يفرض على البحرية الإندونيسية تغطية مساحات بحرية واسعة تمتد عبر المحيطين الهندي والهادئ. ومن ثم فإن الغواصات ذات المدى الطويل والاستقلالية المرتفعة يمكن أن توفر وسيلة مناسبة للمراقبة والردع وحماية الممرات البحرية والمناطق الحيوية، خصوصًا في ظل المنافسة البحرية المتزايدة في جنوب شرق آسيا.

وتضم الغواصة ستة أنابيب إطلاق للطوربيدات عيار 533 ملم، مع قدرة على حمل حمولة قصوى تصل إلى 18 سلاحًا وفق تكوين المهمة، بما يشمل الطوربيدات والصواريخ المضادة للسفن. كما يمكنها استخدام صاروخ SM39 Exocet المضاد للسفن، بينما يمثل نظام إدارة القتال SUBTICS المركز الرئيسي لدمج بيانات السونار وأجهزة الاستشعار مع عمليات التعرف على الأهداف والتحليل التكتيكي وإدارة النيران. وتوفر هذه المنظومة للغواصة قدرة على تنفيذ مهام الحرب ضد السفن والغواصات، إلى جانب مهام الاستطلاع والمراقبة البحرية.

غير أن الأهمية الأكبر للمشروع بالنسبة لإندونيسيا لا تكمن فقط في قدرات الغواصة نفسها، وإنما في التصنيع المحلي. فقد كانت إندونيسيا قد راكمت خبرة سابقة في مجال الغواصات من خلال برنامج Nagapasa-class، الذي استفادت فيه من التعاون مع كوريا الجنوبية، ووصلت إلى مرحلة تجميع غواصة KRI Alugoro محليًا. إلا أن برنامج Scorpène Evolved يمثل مستوى أكثر تقدمًا، إذ تتحمل PT PAL مسؤوليات تشمل بناء أجزاء الهيكل الضاغط، وتركيب المعدات، ودمج الأنظمة، والاختبارات في الميناء، والتجارب البحرية، والتجميع النهائي والتسليم.

وتقدم هذه المسؤوليات فرصة مهمة لبناء قاعدة صناعية محلية قادرة على التعامل مع العمليات الأكثر تعقيدًا في تصنيع الغواصات. وتعمل Naval Group في المقابل على توفير الدعم الهندسي ونقل الخبرات والإجراءات الصناعية، مع تدريب المهندسين والفنيين الإندونيسيين في مجالات تشمل اللحام، والهندسة الهيكلية، والتكامل الكهربائي والميكانيكي، وضمان الجودة، وتقنيات تصنيع الغواصات. كما تخطط الشركة الفرنسية لزيادة عدد الخبراء العاملين في إندونيسيا خلال مراحل البرنامج، بالتوازي مع تدريب مئات المهندسين الإندونيسيين.

لكن من المهم عدم اعتبار هذا التعاون تحولًا فوريًا إلى صناعة غواصات إندونيسية مستقلة بالكامل. فالغواصة ستظل تعتمد على عدد من المكونات والأنظمة المتخصصة القادمة من فرنسا، بينما تحتفظ Naval Group بدور رئيسي في التصميم الأساسي والدعم الهندسي ونقل العمليات الصناعية والمساعدة الفنية. وهذا يعني أن إندونيسيا تقترب من امتلاك قدرة محلية على البناء والتجميع والتكامل والاختبار، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تصنيع جميع الأنظمة عالية القيمة محليًا أو امتلاك استقلال كامل في دورة حياة الغواصة.

وتظهر أهمية هذا الفرق عند النظر إلى مستقبل البرنامج، إذ إن امتلاك القدرة على بناء هيكل الغواصة لا يمثل سوى جزء من منظومة الاستقلال الصناعي. فالقدرة الحقيقية ستقاس لاحقًا بمدى تمكن PT PAL من إجراء أعمال الصيانة الثقيلة، وإصلاح الهيكل الضاغط، وصيانة منظومات الدفع والطاقة، ودعم بطاريات Lithium-Ion، وتحديث أنظمة إدارة القتال، وإجراء عمليات التطوير المستقبلية بأقل اعتماد ممكن على الخبراء الأجانب. ومن هنا فإن السنوات المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة إندونيسيا على تحويل نقل التكنولوجيا إلى معرفة صناعية مستدامة.

ويمثل حجم البرنامج الحالي عاملًا مهمًا في هذه المعادلة. فالعقد يشمل غواصتين فقط، وهو عدد محدود مقارنة ببرامج أخرى استخدمت عائلة Scorpène لبناء قاعدة صناعية طويلة الأمد. فقد بنت الهند ست غواصات من العائلة محليًا، بينما طورت البرازيل برنامجًا لبناء أربع غواصات تقليدية ضمن مشروع أوسع لنقل التكنولوجيا وتطوير قدراتها البحرية. ويمنح العدد الأكبر من الوحدات هذه الدول فرصة أفضل للحفاظ على العمالة المتخصصة وخطوط الإنتاج لفترة طويلة، بينما ستواجه إندونيسيا تحديًا يتمثل في الحفاظ على الكفاءات والبنية التحتية بعد اكتمال الغواصتين إذا لم تتبع البرنامج بطلبات جديدة.

ولهذا السبب يمثل توقيت الطلبات المستقبلية عنصرًا حاسمًا بالنسبة إلى إندونيسيا. فإذا قررت جاكرتا شراء غواصات إضافية في وقت يسمح باستمرار العمل في منشآت PT PAL، فقد يتحول البرنامج الحالي من مشروع لنقل التكنولوجيا إلى قاعدة إنتاج مستدامة للغواصات. أما إذا توقف التصنيع عند غواصتين فقط، فستظل إندونيسيا قد حققت مكاسب مهمة في مجالات الصيانة والتكامل وبناء الهياكل والتجارب، لكنها ستواجه خطر فقدان جزء من الخبرات المتخصصة نتيجة انخفاض حجم العمل بعد انتهاء البرنامج.

وتتطلع إندونيسيا بالفعل إلى استخدام البرنامج الحالي باعتباره مرحلة ضمن استراتيجية أطول لتطوير صناعة الغواصات الوطنية. ووضعت PT PAL المشروع ضمن المرحلة الثانية من برنامج إندونيسيا الوطني للسيطرة على تكنولوجيا الغواصات، مع أهداف بعيدة المدى تتضمن تطوير القدرة على تصميم وبناء غواصة محلية، وربما تصديرها مستقبلًا، في إطار زمني يمتد إلى أربعينيات القرن الحالي. وهذا يجعل Scorpène Evolved بالنسبة إلى إندونيسيا أكثر من مجرد منصة قتالية جديدة، إذ يمثل مختبرًا صناعيًا لبناء المعرفة المطلوبة للوصول إلى هذه الأهداف.

وعلى المستوى الإقليمي، يضيف البرنامج بعدًا جديدًا إلى المنافسة البحرية في جنوب شرق آسيا. فإندونيسيا ليست الدولة الوحيدة في المنطقة التي تشغل غواصات Scorpène، إذ تمتلك ماليزيا غواصتين من العائلة نفسها، لكن الفرق يكمن في أن الغواصات الماليزية بُنيت في الخارج، بينما تعمل إندونيسيا الآن على بناء النسخة الأحدث محليًا. وهذا يمنح جاكرتا قيمة إضافية لا ترتبط فقط بالقدرة القتالية للغواصة، وإنما بالخبرة الصناعية التي يمكن أن تتراكم داخل البلاد بمرور الوقت.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس البرنامج إدراكًا إندونيسيًا بأن القوة البحرية الحديثة لا تُقاس فقط بعدد السفن والغواصات الموجودة في الخدمة، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ عليها وتحديثها وإنتاج أجيال جديدة منها. فامتلاك غواصتين حديثتين يوفر قدرة ردع محددة، لكن امتلاك قاعدة صناعية قادرة على إنتاج الغواصات وإجراء الصيانة والتحديث يمنح هذه القدرة بعدًا أكثر استدامة. كما أن إدخال تقنية البطاريات Lithium-Ion إلى برنامج يتم بناؤه محليًا يوفر للصناعة الإندونيسية فرصة لاكتساب خبرة في واحدة من التقنيات المهمة في تطور الغواصات التقليدية الحديثة.

وبالنسبة إلى Naval Group، يمثل البرنامج فرصة لترسيخ حضورها في سوق جنوب شرق آسيا وتوسيع نموذج التعاون الصناعي الذي يتجاوز بيع المنصة الجاهزة إلى نقل جزء من قدرات التصنيع والتكامل إلى الدولة العميلة. أما بالنسبة إلى إندونيسيا، فإن نجاح المشروع سيعتمد بدرجة أكبر على ما ستحتفظ به البلاد من معرفة وقدرات بعد خروج الغواصتين من خط الإنتاج، وليس فقط على موعد تسليمهما.