جددت إندونيسيا اهتمامها بالحصول على ثماني فرقاطات من طراز Upgraded Mogami-class اليابانية، المعروفة أيضا باسم New FFM، في خطوة تعيد إلى الواجهة أحد أبرز مشاريع التعاون البحري بين جاكرتا وطوكيو، وتفتح الباب أمام تحول نوعي في قدرات البحرية الإندونيسية خلال السنوات المقبلة. وجاء تجدد الاهتمام الإندونيسي خلال المحادثات الدفاعية الثلاثية التي جمعت إندونيسيا واليابان وأستراليا في 26 أغسطس 2026، في وقت تتسارع فيه جهود الدول الآسيوية لتعزيز قدراتها البحرية ومراقبة الممرات والمناطق البحرية الحيوية في المحيطين الهندي والهادئ.
ولا يمثل المشروع فكرة جديدة بالكامل، إذ تعود المفاوضات الأولى حول حصول إندونيسيا على ثماني فرقاطات من عائلة Mogami إلى عام 2021، عندما كان التصور يقضي ببناء أربع سفن في اليابان وأربع أخرى محليا داخل أحواض شركة PT PAL في سورابايا، ضمن إطار مالي قدرت قيمته آنذاك بنحو 300 مليار ين. إلا أن المشروع لم يتحول إلى عقد نهائي، قبل أن تعود جاكرتا حاليا إلى المنصة اليابانية، ولكن في نسختها المطورة New FFM التي تختلف بصورة ملموسة عن Mogami-class الأصلية من حيث الحجم والتسليح والقدرات العملياتية.
وتأتي عودة المشروع في ظل تغير واضح في البيئة الاستراتيجية الإندونيسية، حيث تسعى جاكرتا إلى توسيع قدرات أسطولها البحري بما يتناسب مع كون البلاد أكبر أرخبيل في العالم وامتلاكها ممرات بحرية استراتيجية تربط المحيطين الهندي والهادئ. وتحتاج إندونيسيا إلى سفن قادرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل حماية المياه الإقليمية والممرات البحرية، ومكافحة الغواصات والسفن السطحية، والدفاع الجوي، والاستطلاع، ومواجهة الألغام، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة العمل لمسافات طويلة وبأعداد أطقم محدودة.
ويكتسب New FFM أهمية خاصة في هذا السياق لأنه يجمع بين حجم أكبر من Mogami-class الأصلية ومستوى مرتفع من الأتمتة. ويبلغ طول النسخة المطورة نحو 142 مترا، بينما تصل إزاحتها القياسية إلى نحو 4,880 طنا ونحو 6,200 طن عند الحمولة الكاملة، مقارنة بنحو 133 مترا وإزاحة قياسية تبلغ قرابة 3,900 طن للنسخة الأساسية. ويوفر هذا الحجم الإضافي مساحة أكبر للذخائر وأجهزة الاستشعار وأنظمة الطاقة والقيادة والسيطرة، إلى جانب احتياطي هندسي يسمح بإدخال تحديثات مستقبلية على السفينة.
ويتمثل أحد أبرز الفروق بين النسختين في منظومة الإطلاق العمودي Mk 41 Vertical Launch System، إذ تضاعف عدد الخلايا في New FFM إلى 32 خلية مقارنة بـ16 خلية في Mogami-class الأصلية. ويمثل هذا التغيير توسعا كبيرا في قدرة السفينة على حمل الصواريخ، ويمنحها مرونة أكبر في توزيع الذخائر بين صواريخ الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للغواصات وغيرها من الذخائر التي يمكن دمجها في المنظومة.
ويكشف هذا التطور عن تحول في فلسفة تصميم الفرقاطة اليابانية، فـMogami-class الأصلية صممت لتوفير سفينة مدمجة متعددة المهام تتمتع بدرجة عالية من الأتمتة وتستطيع تنفيذ مهام مكافحة الغواصات والألغام والسفن السطحية والدوريات، بينما تتجه New FFM إلى تقديم قدرة قتالية أكثر اتساعا، بما يجعلها أقرب إلى فرقاطة متعددة المهام قادرة على القيام بأدوار مرافقة وحماية قوة بحرية في بيئة أكثر تهديدا. وتعتزم اليابان دمج صواريخ Type 23 للدفاع الجوي وصواريخ Type 07 VLA المضادة للغواصات، إلى جانب تطوير قدرتها على استخدام صواريخ Type 12 المضادة للسفن.
وتأتي إعادة إحياء اهتمام إندونيسيا بالفرقاطة اليابانية في توقيت يحمل أهمية سياسية أيضا. فقد وقعت طوكيو وجاكرتا في 4 مايو 2026 Defence Cooperation Arrangement الذي يوفر إطارا لتعزيز التعاون الدفاعي، بما في ذلك التعاون في المعدات والتكنولوجيا، بينما بدأت الدولتان في يونيو من العام نفسه مباحثات تتعلق بإمكانية نقل مدمرات Asagiri-class إلى البحرية الإندونيسية، مع مناقشة جوانب التدريب والصيانة والدعم والإجراءات التشغيلية.
ويعني ذلك أن مشروع Mogami لا يتحرك في فراغ، وإنما يأتي ضمن مسار أوسع لتوسيع العلاقة الدفاعية بين طوكيو وجاكرتا. كما أن إندونيسيا تدرس في الوقت نفسه خيارات أخرى لتحديث أسطولها، ما يجعل القرار النهائي بشأن New FFM مرتبطا بقدرتها على ترتيب أولويات الإنفاق البحري وإدارة تعدد البرامج والمنصات التي تدخل الخدمة في الوقت نفسه.
وتبرز هنا مسألة Asagiri-class تحديدا، إذ تشير المعطيات الحالية إلى أن جاكرتا لم تنتقل بعد إلى مفاوضات تعاقدية نهائية بشأن فرقاطات Mogami، بينما تعمل على تسوية المفاوضات الخاصة بالسفن اليابانية المستعملة أولا. وبدأت مباحثات نقل Asagiri-class في يونيو 2026، ما يعني أن إندونيسيا تحاول الموازنة بين الحصول على قدرات بحرية جاهزة في المدى القريب وبين الاستثمار في فرقاطات حديثة تستطيع تشكيل القوة الرئيسية لأسطولها مستقبلا.
يحمل المشروع المحتمل أهمية كبيرة لليابان. فقد تحولت Mogami-class خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم المنصات التي تستخدمها طوكيو لتعزيز حضورها في سوق تصدير السفن الحربية، خصوصا بعد اختيار أستراليا للنسخة المطورة كأساس لبرنامج فرقاطاتها العامة. وقد وقعت اليابان وأستراليا في 18 أبريل 2026 مذكرة تعاون بشأن البرنامج، بعد استكمال عقود أول ثلاث فرقاطات أسترالية، مع تأكيد التعاون لإنشاء قاعدة إدامة وقدرة لبناء السفن في أستراليا.
ويمنح نجاح النموذج الأسترالي اليابان فرصة لإظهار أن New FFM ليست مجرد سفينة مصممة للاستخدام المحلي، وإنما منصة قابلة للتكييف مع متطلبات العملاء الأجانب. فقد اختارت أستراليا تعديلات خاصة على منظومة التسليح، بما في ذلك استخدام RIM-162 ESSM وKongsberg Naval Strike Missile، وهو ما يوضح قدرة التصميم على دمج أسلحة مختلفة وفقا لمتطلبات الدولة المشغلة.
وهذه المرونة يمكن أن تكون عاملا حاسما في المفاوضات مع إندونيسيا، لأن جاكرتا قد لا ترغب في تبني التكوين الياباني بصورة مطابقة. ويمكن أن تشمل المفاوضات المستقبلية نوع الصواريخ التي ستشغلها السفن، ونسبة الأنظمة المحلية، ومستوى نقل التكنولوجيا، ودور شركة PT PAL في البناء النهائي والصيانة والإدامة، إضافة إلى طبيعة الدعم الفني الذي ستوفره الشركات اليابانية على مدى دورة حياة السفن.
وتعد إمكانية البناء المحلي إحدى أكثر النقاط أهمية في المشروع الإندونيسي. فالتصور الذي طُرح في 2021 كان يقوم على بناء أربع سفن في اليابان وأربع داخل أحواض PT PAL في سورابايا، ما كان سيمنح إندونيسيا فرصة للاستفادة من الخبرة اليابانية مع تطوير قدراتها الوطنية في بناء السفن الحربية. وإذا عادت هذه الصيغة إلى طاولة المفاوضات، فإن الصفقة لن تكون مجرد عملية شراء ثماني فرقاطات، بل يمكن أن تصبح مشروعا صناعيا طويل الأمد يرفع مستوى قدرات بناء السفن العسكرية الإندونيسية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استراتيجية لأن جاكرتا تحاول منذ سنوات تعزيز استقلالية صناعتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الاستيراد الكامل للمنصات الرئيسية. فامتلاك القدرة على بناء السفن وصيانتها وتحديثها محليا يمنح البحرية الإندونيسية مرونة أكبر في زمن الأزمات، كما يقلل من مخاطر تعطل سلاسل الإمداد الخارجية. وفي المقابل، تحتاج إندونيسيا إلى ضمان أن يكون نقل التكنولوجيا والمهارات جزءا فعليا من أي اتفاق، لا مجرد عنصر سياسي في الإعلان عن الصفقة.