أخبار: البحرية الأمريكية تحدد عام 2028 موعداً لدخول غواصات Columbia-class الخدمة الفعلية

أكدت قيادة القوات البحرية (U.S. Navy) الالتزام بالجدول الزمني المعدل لبدء تشغيل الغواصة الرائدة من طراز Columbia-class، وهي الغواصة "District of Columbia" (SSBN 826)، بحلول عام 2028. ويأتي هذا التأكيد ليضع حداً للتكهنات حول تأخيرات التصنيع، وليعلن بدء عصر جديد من الردع الاستراتيجي تحت الماء، حيث تُعد هذه الغواصات أضخم وأكثر المشاريع البحرية تعقيداً وتكلفة في تاريخ الولايات المتحدة.

تمثل فئة Columbia-class البديل الاستراتيجي لغواصات Ohio-class المتقادمة، وقد تم تصميمها من قبل شركة General Dynamics Electric Boat بالتعاون مع Newport News Shipbuilding التابعة لشركة Huntington Ingalls Industries (HII). ويهدف المشروع إلى بناء 12 غواصة نووية حاملة للصواريخ الباليستية، لضمان بقاء الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربة انتقامية مدمرة من أعماق المحيطات في حال تعرضها لأي هجوم نووي مفاجئ.

تتميز غواصات Columbia-class بمواصفات تجعلها قمة الهرم في التكنولوجيا العسكرية البحرية؛ حيث يبلغ طولها 560 قدماً، وتعتمد على نظام دفع كهربائي نووي متطور يوفر هدوءاً عملياتياً غير مسبوق، مما يجعل رصدها بالوسائل التقليدية أمراً يقترب من المستحيل. ومن أبرز الابتكارات في هذا الطراز هو "المفاعل النووي الذي لا يحتاج لإعادة التزود بالوقود" طوال فترة خدمتها التي تمتد لـ 42 عاماً، مما يقلل تكاليف الصيانة ويزيد من وقت بقائها في مسارح العمليات.

على صعيد التسليح، ستكون الغواصة مسلحة بـ 16 أنبوب إطلاق لصواريخ Trident II D5 المحدثة، وهي صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوس نووية متعددة بدقة متناهية. كما تم تزويدها بنظام تحكم رقمي متطور (Fly-by-wire) وأنظمة سونار هي الأحدث عالمياً، لضمان الوعي الظرفي الكامل في أعمق نقاط المحيط.

من المنظور الاستراتيجي، فإن دخول Columbia-class الخدمة في عام 2028 يرسل رسالة ردع حاسمة للقوى العظمى المنافسة، وتحديداً الصين وروسيا. ففي ظل سعي بكين لتوسيع ترسانتها النووية البحرية وتطوير موسكو لغواصات "ياسين" و"بوريه"، تضع واشنطن ثقلها التكنولوجي في فئة "كولومبيا" لضمان تفوق تقني يدوم لنصف قرن قادم.

تعتبر هذه الغواصات "سلاح الصمود الأخير"؛ فبينما يمكن رصد القواعد البرية أو اعتراض القاذفات الجوية، تظل الغواصات النووية الباليستية مختفية في أعماق المحيطات، مما يشكل رادعاً يمنع نشوب صراعات كبرى. إن نجاح الولايات المتحدة في الالتزام بموعد 2028 يعكس قدرتها على إدارة سلاسل التوريد الدفاعية المعقدة في ظل الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة، ويعيد التأكيد على أن المحيطات ستظل الساحة الأهم لحسم توازنات القوى العالمية.

يمثل برنامج Columbia-class محركاً اقتصادياً هائلاً؛ حيث تبلغ القيمة الإجمالية المقدرة للبرنامج أكثر من 110 مليار دولار. هذا الاستثمار الضخم يعزز هيمنة شركات مثل General Dynamics و HII على قطاع البناء البحري النووي، ويجذب مئات الشركات العالمية المتخصصة في أنظمة الملاحة، والذكاء الاصطناعي البحري، والمواد المتقدمة للمشاركة في هذا المشروع العملاق.

سيدفع دخول هذا الطراز حلفاء الولايات المتحدة، مثل بريطانيا في برنامجها Dreadnought-class، إلى تعزيز التعاون التكنولوجي لضمان التوافق العملياتي (Interoperability). كما سيحفز المنافسين على ضخ استثمارات هائلة في تقنيات "كشف الغواصات" المستندة إلى الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، لمحاولة كسر ميزة التخفي التي توفرها "كولومبيا". إن هذا السباق التكنولوجي سيؤدي إلى قفزة نوعية في سوق المستشعرات البحرية وأنظمة الدفع المستقلة، مما يعيد تشكيل ملامح الصناعة الدفاعية البحرية لعقود قادمة.