أخبار: البحرية الأمريكية توظف الذكاء الاصطناعي لتسريع إنتاج غواصات Columbia وVirginia

تتجه البحرية الأمريكية إلى توسيع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل قطاع الصناعات البحرية العسكرية، بعدما بدأت تطبيق منظومات تحليل وتصنيع ذكية لتسريع إنتاج غواصات Columbia-class النووية وغواصات الهجوم النووي Virginia-class، في خطوة تعكس حجم الضغوط المتزايدة التي تواجه القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية وسط تصاعد المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا في أعماق البحار والمحيطات.

ويأتي البرنامج الجديد ضمن جهود واسعة تقودها وزارة الحرب الأمريكية لمعالجة الاختناقات المزمنة في بناء الغواصات النووية، خاصة بعد سنوات من التأخير ونقص العمالة الفنية وارتفاع تكاليف التصنيع، وهي عوامل بدأت تثير قلقاً متزايداً داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن قدرة واشنطن على الحفاظ على تفوقها البحري تحت سطح الماء خلال العقود المقبلة.

وبحسب المعلومات المعلنة، يجري دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات الرقمية المتقدمة داخل أحواض بناء السفن التابعة لشركتي General Dynamics Electric Boat وBabcock & Wilcox، مع التركيز على أتمتة عمليات الفحص الهندسي، وتحليل سلاسل الإمداد، وتحسين إدارة الإنتاج والتجميع المعقد للغواصات النووية.

تمثل غواصات Columbia-class أحد أهم برامج الردع النووي الأمريكية خلال القرن الحادي والعشرين، إذ ستتولى تدريجياً استبدال غواصات Ohio-class الحاملة للصواريخ الباليستية النووية، والتي تشكل العمود الفقري للردع النووي البحري الأمريكي.

أما غواصات Virginia-class، فتعد حجر الأساس في عمليات الحرب البحرية الأمريكية الحديثة، سواء في مهام مكافحة الغواصات، أو جمع المعلومات الاستخباراتية، أو توجيه ضربات بصواريخ Tomahawk، أو دعم العمليات الخاصة في البيئات البحرية المعقدة.

لكن رغم الأهمية الاستراتيجية لهذه البرامج، واجهت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة أزمة حقيقية في وتيرة الإنتاج البحري، حيث انخفض متوسط تسليم غواصات Virginia عن المعدلات المستهدفة، في وقت تسارع فيه الصين بصورة كبيرة توسع أسطولها البحري وتطوير قدراتها تحت سطح الماء.

وتشير تقديرات الكونغرس الأمريكي إلى أن البحرية الأمريكية تحتاج إلى إنتاج غواصتين من فئة Virginia سنوياً على الأقل، بالتوازي مع تطوير غواصات Columbia، للحفاظ على التوازن العملياتي المطلوب. إلا أن أحواض السفن الأمريكية لم تتمكن خلال السنوات الأخيرة من الوصول إلى هذا المعدل بصورة مستقرة.

يركز البرنامج الجديد على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات حيوية داخل عملية الإنتاج، أبرزها:

- تحليل عمليات اللحام والتجميع المعقدة.

- التنبؤ بالأعطال الصناعية قبل حدوثها.

- مراقبة جودة المكونات النووية والهياكل المعدنية.

- تسريع مراجعة التصاميم الهندسية.

- إدارة المخزون وسلاسل التوريد.

- تحسين توزيع العمالة الفنية داخل خطوط الإنتاج.

وتعتمد بعض الأنظمة الجديدة على “التوأم الرقمي” أو Digital Twin، وهي تقنية تسمح بإنشاء نسخة افتراضية دقيقة للغواصة ومكوناتها، بما يتيح اختبار المشكلات المحتملة رقمياً قبل تنفيذها فعلياً داخل حوض البناء.

كما يجري استخدام خوارزميات تعلم آلي لتحليل ملايين نقاط البيانات المرتبطة بعمليات التصنيع والاختبارات والجودة، ما يسمح بتقليل الأخطاء وتحسين الكفاءة الصناعية بصورة تدريجية.

ويرى خبراء أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى بناء الغواصات يمثل تحولاً كبيراً داخل الصناعات الدفاعية الثقيلة، التي ظلت لعقود تعتمد بصورة أساسية على الخبرة البشرية المباشرة والعمليات اليدوية المعقدة.

لا يمكن فصل هذه الخطوة عن السباق البحري المتسارع بين الولايات المتحدة والصين داخل المحيط الهادئ. فبكين تمتلك اليوم أكبر أسطول بحري عددي في العالم، كما تعمل بصورة مكثفة على توسيع قدراتها في مجال الغواصات النووية والهجومية والصواريخ البحرية بعيدة المدى، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليص حرية الحركة الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن الحفاظ على التفوق تحت سطح البحر يمثل أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي ضد الصين، خاصة أن الغواصات النووية الأمريكية ما تزال تتفوق تقنياً في مجالات التخفي والاستشعار والحرب المضادة للغواصات. لكن المشكلة الأساسية لم تعد تقنية فقط، بل صناعية أيضاً.

فخلال العقود الماضية، تقلصت القاعدة الصناعية البحرية الأمريكية بصورة كبيرة مقارنة بفترة الحرب الباردة، مع انخفاض أعداد أحواض السفن والعمالة المتخصصة والموردين القادرين على إنتاج المكونات النووية المعقدة.

ومن هنا، أصبح الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه كوسيلة لتعويض بعض النقص في الكفاءات وتسريع عمليات الإنتاج دون الحاجة إلى توسيع ضخم وفوري للبنية الصناعية التقليدية.

تتعاظم أهمية تسريع إنتاج غواصات Virginia أيضاً بسبب اتفاقية AUKUS بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، والتي تتضمن خططاً لتزويد البحرية الأسترالية بغواصات هجومية نووية أمريكية خلال السنوات المقبلة.

وقد أثار هذا الاتفاق جدلاً واسعاً داخل الكونغرس الأمريكي، إذ حذر عدد من المشرعين والخبراء من أن الصناعة الأمريكية تعاني أصلاً من صعوبة تلبية احتياجات البحرية الأمريكية نفسها، فكيف ستتمكن من دعم متطلبات AUKUS الإضافية؟. ولهذا، تسعى وزارة الحرب الأمريكية إلى رفع الكفاءة الصناعية بأسرع وقت ممكن، ليس فقط لتلبية الطلب المحلي، بل أيضاً للحفاظ على مصداقية التحالفات البحرية الأمريكية في الهندوباسيفيك.

تعكس التطورات الحالية بداية تحول أوسع نحو ما يمكن وصفه بـ“الثورة الصناعية الرقمية” داخل قطاع الصناعات البحرية العسكرية. فإلى جانب الذكاء الاصطناعي، تعمل البحرية الأمريكية على إدخال:

- الطباعة المعدنية ثلاثية الأبعاد.

- الروبوتات الصناعية.

- أنظمة الفحص الآلي.

- الواقع المعزز للصيانة والتجميع.

- تحليل البيانات الضخمة داخل سلاسل الإمداد.

ويعتقد محللون أن الدول القادرة على دمج التكنولوجيا الرقمية المتقدمة داخل الصناعات الدفاعية الثقيلة ستكون الأقدر على الحفاظ على تفوقها العسكري خلال العقود المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المنصات البحرية والجوية الحديثة وتعقيدها التقني المتزايد.

تحمل الخطوة الأمريكية أيضاً تأثيرات واسعة على سوق الصناعات البحرية العسكرية عالمياً. فمع تصاعد الطلب على الغواصات النووية والهجومية في آسيا وأوروبا، بدأت المنافسة لا تقتصر فقط على تصميم المنصات القتالية، بل امتدت إلى القدرة الصناعية وسرعة الإنتاج وكفاءة سلاسل الإمداد.

كما أن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي في برامج Columbia وVirginia قد يدفع دولاً أخرى، مثل بريطانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية واليابان، إلى تسريع دمج الأنظمة الذكية داخل صناعاتها البحرية الدفاعية.

وفي ظل التحولات الحالية، يبدو أن مستقبل التفوق البحري لن يعتمد فقط على عدد السفن أو قوة التسليح، بل أيضاً على قدرة الدول على بناء وإدامة وإصلاح منصاتها البحرية بوتيرة أسرع وأكثر كفاءة من خصومها، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجياً من أداة دعم تقنية إلى عنصر استراتيجي حاسم في سباق الهيمنة البحرية العالمي.