في لحظة تاريخية فارقة تؤرخ لبداية تحول جذري في توازن القوى البحرية بشرق المتوسط، استقبلت القوات البحرية اليونانية رسمياً في مطلع عام 2026 فرقاطتها الأولى من طراز Belharra (المعروفة تقنياً بـ FDI - Frégate de Défense et d'Intervention) والتي تحمل اسم HS Kimon (F-601). وتعد هذه السفينة الحربية المتطورة، التي تم بناؤها في ترسانات شركة Naval Group الفرنسية بمدينة "لوريان"، أول فرقاطة حديثة تدخل الخدمة في الأسطول اليوناني منذ عام 1998، مما ينهي عقوداً من الاعتماد على السفن المتقادمة ويضع اليونان في مصاف الدول التي تمتلك تكنولوجيا "السيادة الرقمية" في البحار.
تعود جذور هذه الصفقة إلى سبتمبر من عام 2021، عندما وقعت الحكومة اليونانية اتفاقية دفاعية وأمنية واسعة النطاق مع فرنسا، تضمنت شراء ثلاث فرقاطات من فئة Belharra مع خيار إضافة سفينة رابعة. وقد تم تنفيذ العمل على الفرقاطة HS Kimon بوتيرة متسارعة، حيث شهد عام 2023 مراسم تعويد السفينة، تبعتها تجارب بحرية مكثفة خلال عامي 2024 و2025 للتأكد من مواءمة أنظمتها الرقمية المعقدة مع متطلبات العمليات في بيئة شرق المتوسط الفريدة.
تجاوزت قيمة هذه الصفقة 3 مليارات يورو، وهي لا تقتصر على توريد العتاد فحسب، بل تشمل حزمة دعم لوجستي متكاملة وتدريباً متقدماً للأطقم اليونانية في فرنسا. كما تضمن التعاون دمج الصناعات الدفاعية اليونانية في سلسلة التوريد العالمية لشركة Naval Group، مما يعزز القدرات الصناعية المحلية في مجالات الصيانة والتطوير التقني للأنظمة البحرية المعقدة.
المواصفات التقنية: ذروة التكنولوجيا الرقمية والدفاع الجوي
تعتبر الفرقاطة HS Kimon من فئة Belharra أول فرقاطة "رقمية بالكامل" في العالم، حيث تتميز ببنية تحتية تعتمد على مراكز بيانات مدمجة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات اللحظية. يبلغ طول السفينة حوالي 122 متراً، وإزاحتها نحو 4500 طن، وتتميز بتصميم "راداري" متخفٍ يقلل من بصمتها أمام أنظمة العدو.
تكمن القوة الضاربة لهذه الفرقاطة في رادارها الثوري Sea Fire الذي تنتجه شركة Thales، وهو رادار رقمي متعدد الوظائف ذو أربع مصفوفات ثابتة يوفر تغطية 360 درجة وقدرة على تتبع مئات الأهداف في آن واحد. أما من الناحية التسليحية، فقد تم تزويدها بـ 32 خلية إطلاق عمودي (VLS) من طراز Sylver A50 مخصصة لصواريخ الدفاع الجوي Aster 30 القادرة على اعتراض الأهداف على مسافات تتجاوز 120 كم. كما تضم الترسانة صواريخ Exocet MM40 Block 3C المضادة للسفن، وطوربيدات MU90 لمكافحة الغواصات، بالإضافة إلى نظام الدفاع الجوي القريب RAM ومدفع عيار 76mm.
تحمل خدمة HS Kimon دلالات استراتيجية عميقة في محيطها الإقليمي، حيث تمنح اليونان "مظلة دفاعية" متنقلة ومتفوقة تقنياً. في ظل النزاعات القائمة حول المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) وموارد الطاقة في شرق المتوسط، توفر هذه الفرقاطة لليونان قدرات إنكار الوصول (A2/AD) بفضل صواريخ Aster 30 ورادارها المتطور، مما يجعلها قادرة على حماية ليس فقط الأسطول اليوناني، بل والمجال الجوي الإقليمي ضد التهديدات المتقدمة مثل الصواريخ الجوالة والطائرات المسيرة.
استراتيجياً، يعزز هذا الانضمام من "اتفاقية الدفاع المشترك" بين أثينا وباريس، ويجعل من البحرية اليونانية قوة رائدة في مهام الناتو والاتحاد الأوروبي في البحر الأبيض المتوسط. إن امتلاك اليونان لهذه التكنولوجيا يعني أنها لم تعد تكتفي بالدفاع السلبي، بل أصبحت تمتلك "قبضة تكنولوجية" قادرة على الرصد والردع بعيد المدى، مما يعيد تعريف موازين القوى مع الجوار الإقليمي.
على الصعيد العالمي، يمثل نجاح دخول فئة Belharra الخدمة في اليونان انتصاراً كبيراً للصناعة الدفاعية الفرنسية، حيث يثبت كفاءة مفهوم الفرقاطات متوسطة الإزاحة ذات التجهيز الرقمي الكثيف، مما يفتح شهية دول أخرى للتعاقد على هذا الطراز. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، فإن وصول HS Kimon سيعجل من وتيرة تحديث الأساطيل البحرية في الشرق الأوسط. سيؤدي هذا التحول إلى زيادة الطلب على الأنظمة الدفاعية القادرة على التعامل مع "الحروب الرقمية" والتهديدات الهجينة، وسيدفع دول المنطقة نحو استبدال المنصات التقليدية بقطع بحرية تتميز بقدرات معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي، مما يجعل منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط الساحة الرئيسية للتنافس بين كبريات شركات بناء السفن العالمية لتسويق الجيل القادم من الفرقاطات الذكية.