أخبار: النرويج تعزز أسطولها بغواصات 212CD المتطورة في أكبر صفقة دفاعية في تاريخها

في تحرك يعيد رسم توازنات القوى البحرية في شمال المحيط الأطلسي ومنطقة القطب الشمالي، أعلنت وزارة الدفاع النرويجية عن إحراز تقدم جوهري في مشروع الغواصات المشترك مع ألمانيا، والذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات. وتأتي هذه الخطوة لتؤكد التزام أوسلو بتحديث قدراتها الدفاعية تحت سطح البحر من خلال الاستحواذ على غواصات الجيل القادم من طراز 212CD (Common Design)، التي تنتجها شركة thyssenkrupp Marine Systems (tkMS) الألمانية الرائدة.

هذه الصفقة، التي تُعد الأضخم في تاريخ المشتريات الدفاعية النرويجية، لا تقتصر على بناء السفن فحسب، بل تمثل نموذجاً فريداً للتعاون الاستراتيجي والصناعي بين دولتين عضوين في حلف الناتو. ويهدف المشروع إلى استبدال أسطول الغواصات الحالي من طراز Ula-class بمنصات شبحية قادرة على العمل في أكثر البيئات البحرية قسوة وتحدياً، مع ضمان تكامل عملياتي كامل مع القوات البحرية الألمانية (Deutsche Marine).

تعتبر الغواصة 212CD قفزة نوعية مقارنة بسلفتها الناجحة Type 212A. وقد تم تصميم النسخة الجديدة لتلبي متطلبات النرويج الجغرافية والعملياتية الخاصة، وتتميز بمواصفات تجعلها الأكثر فتكاً في فئتها:

- التصميم الشبحي المتقدم (Diamond-Shaped Hull): تعتمد الغواصة تصميماً خارجياً فريداً يتخذ شكل "الألماس" لتقليل البصمة الرادارية تحت الماء وتشتيت موجات السونار المعادية، مما يجعل اكتشافها من قبل الخصوم مهمة شبه مستحيلة.

- نظام الدفع المستقل عن الهواء (AIP): تم تزويد الغواصة بتقنية خلايا الوقود المتطورة التي تسمح لها بالبقاء مغمورة تحت الماء لأسابيع متواصلة دون الحاجة للصعود إلى السطح لشحن البطاريات، وهو ما يمنحها ميزة "الصبر العملياتي" في مهام المراقبة والكمائن.

- نظام إدارة القتال ORCCA: بالتعاون بين شركتي kongsberg النرويجية و atlas elektronik الألمانية، تم تطوير نظام ORCCA الذي يعتبر أكثر أنظمة إدارة القتال تكاملاً وتطوراً في العالم، حيث يسمح للمشغلين بتحليل كميات هائلة من البيانات القادمة من المستشعرات في وقت قياسي لاتخاذ قرارات اشتباك دقيقة.

- التسليح النوعي: بالإضافة إلى الطوربيدات الثقيلة، تم تصميم الغواصة لتكون قادرة على إطلاق صواريخ مضادة للسفن من طراز Naval Strike Missile (NSM) وهي في وضع الغوص، مما يضاعف من قدراتها الهجومية.

يحمل هذا المشروع دلالات استراتيجية عميقة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

- ردع الطموحات في القطب الشمالي: مع تزايد النشاط العسكري الروسي في منطقة القطب الشمالي وتحول ممر "الغياب" (GIUK Gap) إلى منطقة تنافس ساخنة، تمثل غواصات 212CD خط الدفاع الأول للنرويج وحلفائها. قدرة هذه الغواصات على العمل بهدوء تام في المياه العميقة والضحلة على حد سواء تجعلها أداة ردع مثالية لحماية البنية التحتية للطاقة وأنابيب الغاز الحيوية في بحر الشمال.

- التعاون الثنائي كنموذج للمشتريات الجماعية: من خلال توحيد الطلبيات بين النرويج وألمانيا (بناء 4 غواصات للنرويج و2 لألمانيا في المرحلة الأولى)، نجحت الدولتان في تقليل تكاليف البحث والتطوير، وتوحيد سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية. هذا "التصميم المشترك" يضمن أن تعمل الغواصات النرويجية والألمانية كفريق واحد في أي صراع مستقبلي، مع إمكانية تبادل قطع الغيار والطواقم.

- السيادة التكنولوجية الأوروبية: يمثل المشروع رداً قوياً على المنافسة الخارجية، حيث يثبت أن الصناعة الأوروبية، بقيادة tkMS و kongsberg، لا تزال تتربع على عرش تكنولوجيا الغواصات غير النووية (Conventional Submarines)، متفوقة بذكاء التصميم والقدرات الرقمية.

إن نجاح برنامج 212CD يضع معايير جديدة للسوق العالمي للصناعات الدفاعية البحرية:

- الهيمنة على قطاع الغواصات التقليدية: تعزز هذه الصفقة مكانة شركة tkMS الألمانية كأكبر مصدر للغواصات المتطورة في العالم. ومن المرجح أن تثير هذه الغواصة اهتمام دول أخرى تتطلع لتحديث أساطيلها، مثل كندا وهولندا، اللتين تبحثان عن قدرات استراتيجية بعيدة المدى دون الدخول في تعقيدات الدفع النووي.

- تحفيز الابتكار في أنظمة الاستشعار والذكاء الاصطناعي: بفضل نظام ORCCA، أصبح هناك سباق عالمي لرقمنة قمرة القيادة في الغواصات. الشركات العالمية مثل Thales و Lockheed Martin ستجد نفسها مضطرة لتطوير واجهات مستخدم وقدرات معالجة بيانات تضاهي ما تم التوصل إليه في المشروع النرويجي-الألماني.

- نمو الاستثمارات في البنية التحتية البحرية: الصفقة لا تقتصر على بناء السفن، بل تشمل بناء حوض جاف جديد ومنشآت صيانة متطورة في قاعدة "هاكونسفيرن" البحرية في النرويج. هذا النوع من الاستثمارات يخلق فرصاً ضخمة لشركات الإنشاءات الدفاعية والأنظمة الأمنية المتخصصة في حماية القواعد البحرية.

لا تُعد غواصات 212CD مجرد إضافة تقنية للبحرية النرويجية، بل هي "حارس صامت" يضمن استقرار الأمن القومي في بيئة دولية متقلبة. إن الرهان النرويجي على التكنولوجيا الألمانية والتعاون الوثيق يثبت أن مستقبل الدفاع يكمن في الشراكات العميقة التي تدمج القوة الصناعية بالرؤية الاستراتيجية الموحدة.