أخبار: بريطانيا توسع إنتاج مفاعلات غواصات AUKUS النووية بمنشأة جديدة لـRolls-Royce

أطلقت المملكة المتحدة مرحلة جديدة من برنامجها الاستراتيجي لتطوير الغواصات النووية، بعد بدء أعمال إنشاء منشأة تصنيع متقدمة تابعة لشركة Rolls-Royce Submarines في موقع Raynesway بمدينة ديربي، بهدف مضاعفة القدرة الإنتاجية لمفاعلات الدفع النووي المخصصة للجيل المقبل من غواصات SSN-AUKUS، بالإضافة إلى دعم برامج الغواصات النووية التابعة للبحرية الملكية البريطانية. ويأتي هذا الاستثمار الصناعي الضخم في إطار تنفيذ التزامات لندن ضمن شراكة AUKUS الثلاثية مع الولايات المتحدة وأستراليا، والتي تعد واحدة من أكبر المبادرات الدفاعية الغربية خلال العقود الأخيرة، والهادفة إلى إعادة تشكيل ميزان القوى البحرية في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا.

وأعلنت Rolls-Royce Submarines في الثالث من يوليو 2026 بدء الأعمال الإنشائية للمنشأة الجديدة، والتي ستؤدي إلى أكثر من مضاعفة الطاقة الإنتاجية الحالية لمجمع Raynesway، مع توفير أكثر من 1100 فرصة عمل جديدة في القطاعات الهندسية والتقنية المتخصصة. ويهدف المشروع إلى تلبية الطلب المتزايد على مفاعلات الدفع النووي لكل من الغواصات البريطانية المستقبلية وغواصات SSN-AUKUS الأسترالية، إلى جانب دعم منظومة الردع النووي البريطانية على المدى الطويل.

ويمثل مجمع Raynesway القلب الصناعي لبرنامج الدفع النووي البحري البريطاني منذ عقود، حيث تتولى Rolls-Royce Submarines تصميم وتصنيع مفاعلات الدفع النووي المستخدمة في جميع غواصات البحرية الملكية البريطانية. ومع توسع برنامج AUKUS، أصبح الموقع يمثل أحد أهم الأصول الصناعية الدفاعية داخل المملكة المتحدة، نظراً لأنه سيكون المسؤول عن إنتاج مفاعلات PWR3+ التي ستزود غواصات SSN-AUKUS البريطانية والأسترالية، وهو ما يجعل المنشأة الجديدة حجر الأساس في تنفيذ الجدول الزمني للمشروع المشترك.

وتعتمد غواصات SSN-AUKUS على مفاعل PWR3+ المطور من قبل Rolls-Royce، والذي يمثل الجيل الأحدث من مفاعلات الدفع النووي البريطانية. ويتميز هذا المفاعل بعمر تشغيلي يمتد طوال فترة خدمة الغواصة دون الحاجة إلى إعادة تزويده بالوقود النووي، إلى جانب تحسينات كبيرة في مستويات الأمان والكفاءة والاعتمادية مقارنة بالأجيال السابقة. كما يوفر قدرة أكبر على تشغيل أنظمة الاستشعار والقتال الحديثة، فضلاً عن تزويد الغواصة بالطاقة اللازمة لتنفيذ مهام طويلة الأمد في أعالي البحار دون الحاجة إلى الدعم اللوجستي المتكرر.

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلان الحكومة البريطانية عن خطط لبناء ما يصل إلى 12 غواصة هجومية نووية من فئة SSN-AUKUS لتحل تدريجياً محل غواصات Astute، بينما ستقوم أستراليا لاحقاً ببناء خمس غواصات من الفئة نفسها ضمن إطار الشراكة الثلاثية. ويعني ذلك أن الطلب على مفاعلات الدفع النووي سيشهد ارتفاعاً غير مسبوق خلال العقود المقبلة، الأمر الذي فرض على بريطانيا الاستثمار في توسيع بنيتها الصناعية لضمان عدم تحول القدرة الإنتاجية إلى نقطة اختناق قد تؤخر تنفيذ البرنامج بأكمله.

ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب الصناعي، بل يمتد تأثيره إلى منظومة الردع البحري الغربية بأكملها. فالغواصات النووية الهجومية تمثل أحد أهم أدوات السيطرة البحرية والاستخبارات وجمع المعلومات وتنفيذ عمليات الردع بعيدة المدى، نظراً لقدرتها على البقاء تحت الماء لفترات طويلة للغاية والعمل بسرية شبه كاملة. ولذلك، فإن زيادة إنتاج مفاعلات الدفع النووي تعني عملياً رفع القدرة المستقبلية لبريطانيا وحلفائها على نشر غواصات أكثر تطوراً في مناطق التنافس الاستراتيجي، خصوصاً في المحيطين الهندي والهادئ حيث يتزايد النفوذ البحري الصيني.

كما يعكس المشروع التزام الحكومة البريطانية بتعزيز ما يعرف بـ"المؤسسة النووية الدفاعية" التي تضم الشركات والهيئات العاملة في تصميم وتصنيع وصيانة أنظمة الدفع النووي البحري. وقد أكدت لندن أن هذه الاستثمارات لا تستهدف فقط الحفاظ على الردع العسكري، وإنما أيضاً دعم الاقتصاد الوطني عبر خلق آلاف الوظائف عالية المهارة، وتوسيع القاعدة الصناعية المتخصصة في التقنيات النووية والهندسية، وهي قطاعات تعد من أكثر الصناعات تعقيداً على المستوى العالمي.

يمثل توسيع منشآت Rolls-Royce Submarines مؤشراً واضحاً على أن برنامج AUKUS تجاوز مرحلة الاتفاقات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الصناعي الفعلي. فبعد توقيع الاتفاقية الثلاثية عام 2021، ثم اعتماد تصميم SSN-AUKUS لاحقاً، أصبحت الدول الثلاث تعمل على بناء قاعدة إنتاج مشتركة قادرة على تلبية الاحتياجات المستقبلية لعقود طويلة. ويعني ذلك أن بريطانيا ستتحول إلى المورد الرئيسي لمفاعلات الدفع النووي الخاصة بالغواصات البريطانية والأسترالية، وهو دور يمنحها ثقلاً استراتيجياً كبيراً داخل الشراكة.

كما تكشف هذه الخطوة عن إدراك متزايد لدى لندن بأن المنافسة البحرية العالمية خلال العقود المقبلة ستعتمد بصورة رئيسية على الغواصات النووية والهياكل الصناعية القادرة على إنتاجها بوتيرة مستقرة. فالتحدي لم يعد يقتصر على امتلاك التكنولوجيا، وإنما يشمل أيضاً القدرة على تصنيعها وصيانتها وتوفير سلاسل إمداد مرنة تستطيع مواكبة الطلب العسكري المتزايد، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية وتنامي الإنفاق الدفاعي بين القوى الكبرى.

المشروع يعزز مكانة Rolls-Royce Submarines باعتبارها واحدة من الشركات القليلة في العالم القادرة على تصميم وإنتاج مفاعلات الدفع النووي البحري، وهو قطاع شديد الحساسية ويخضع لقيود تقنية وأمنية صارمة. كما يمنح الشركة فرصاً طويلة الأمد لعقود تمتد لعقود مقبلة تشمل التصنيع والدعم الفني والصيانة والتحديث، بالتوازي مع استمرار تنفيذ برامج الغواصات البريطانية والأسترالية. وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن يؤدي هذا التوسع إلى تحفيز الاستثمارات في سلاسل الإمداد البريطانية، حيث ستحتاج المنشأة الجديدة إلى شبكة واسعة من الموردين المتخصصين في الصناعات المعدنية الدقيقة، والمكونات النووية، وأنظمة التحكم، والهندسة المتقدمة، وهو ما سيخلق تأثيراً اقتصادياً وصناعياً يتجاوز حدود قطاع الدفاع ليشمل قطاعات التكنولوجيا والتصنيع عالي الدقة.

إن توسعة منشآت Rolls-Royce Submarines لإنتاج مفاعلات غواصات SSN-AUKUS لا تمثل مجرد مشروع بنية تحتية جديد، بل تشكل أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية في قطاع الصناعات الدفاعية البريطانية خلال السنوات الأخيرة. كما تؤكد أن بريطانيا تراهن على تعزيز قدراتها الصناعية النووية للحفاظ على تفوقها البحري، ودعم تنفيذ برنامج AUKUS الذي أصبح يمثل أحد الأعمدة الرئيسية لاستراتيجية الردع الغربية في مواجهة التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية، مع ترسيخ مكانة المملكة المتحدة كمركز عالمي لإنتاج تقنيات الدفع النووي العسكري.