في مرحلة مفصلية من تاريخ تعزيز القدرات الدفاعية لجزيرة تايوان، بدأت القوات المسلحة لجمهورية الصين (تايوان) رسمياً في استلام أولى الشحنات التشغيلية من أنظمة Harpoon Coastal Defense Systems (HCDS) القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لصفقة ضخمة أبرمت في عام 2020 وتُقدر قيمتها بنحو 2.37 مليار دولار، وتهدف إلى بناء شبكة دفاع ساحلي غير متكافئة قادرة على إحداث شلل في العمليات البرمائية المعادية. وبوصول هذه الأنظمة، تدخل تايوان عهداً جديداً من الردع البحري، حيث تتحول شواطئها إلى منطقة محرمة تعج بالمنصات الصاروخية المتنقلة التي يصعب رصدها أو استهدافها بشكل استباقي.
تشمل هذه الحزمة التسليحية المتكاملة توريد 100 وحدة من Harpoon Coastal Defense System Launcher Transporter Units، مدعومة بـ 400 صاروخ من طراز RGM-84L-4 Harpoon Block II (U). ومن المقرر أن يتم تسليم 32 نظاماً كاملاً بحلول نهاية عام 2026، على أن تكتمل بقية الصفقة (68 نظاماً) بحلول عام 2028.
تتميز المنظومة المسلمة بكونها نظاماً "هجيناً" يجمع بين الموثوقية القتالية العالية والذكاء التقني الحديث، وتتكون من:
- Mobile Launcher Trucks: المعتمدة على شاسيه الشاحنة الثقيلة HEMTT (Heavy Expanded Mobility Tactical Truck) التي توفر قدرات فائقة على الحركة عبر الطرق الوعرة وإعادة التموضع السريع.
- Radar Trucks: مركبات رادار متطورة توفر بيانات الاستهداف بشكل مستقل، مما يقلل الاعتماد على مراكز القيادة الثابتة المعرضة للضرب.
- Command and Control Units: وحدات تحكم وسيطرة مدمجة لضمان التنسيق اللحظي بين القاذفات.
- RGM-84L-4 Block II (U): النسخة الأحدث من الصاروخ، والمزودة بنظام ملاحة عطالي معزز بـ (GPS) المستمد من تقنيات SLAM-ER، مما يمنحه قدرة استثنائية على التمييز بين الأهداف في المناطق الساحلية المزدحمة وبالقرب من الشواطئ.
تمثل هذه الصفقة حجر الزاوية في تطبيق استراتيجية "النيص" (Porcupine Strategy) التي تتبناها تايبيه بإيعاز ودعم من واشنطن. تهدف هذه الاستراتيجية إلى جعل أي غزو عسكري للجزيرة "مكلفاً للغاية" من خلال نشر أسلحة صغيرة، متنقلة، وفتاكة بدلاً من الاعتماد الكلي على المنصات الكبيرة والاهداف السهلة مثل المدمرات الضخمة.
استراتيجياً، يمنح نظام Harpoon البري تايوان قدرة "الضربة الثانية". فبينما قد تتعرض المطارات والقواعد البحرية الثابتة لضربات صاروخية مركزة في الساعات الأولى من أي صراع، تظل هذه الوحدات المتنقلة مختبئة في الأنفاق والغابات والمناطق الحضرية، لتظهر فجأة وتقصف الأساطيل البرمائية وسفن الإنزال أثناء اقترابها من الشواطئ. كما أن دمج صواريخ Harpoon الأمريكية مع صواريخ Hsiung Feng II و Hsiung Feng III المحلية يخلق "تداخلاً في التهديد"؛ حيث يضطر المدافع (أو المهاجم في هذه الحالة) للتعامل مع أنماط طيران وسرعات وباحثات رادارية متنوعة، مما يربك أنظمة الدفاع الجوي للسفن المعادية ويزيد من احتمالية الاختراق الناجح.
علاوة على ذلك، أعلنت وزارة الدفاع التايوانية عن إنشاء "Littoral Combat Command" (قيادة القتال الساحلي) التي ستبدأ عملياتها رسمياً في يوليو 2026، لتكون المظلة التنظيمية لهذه الأنظمة، مما يشير إلى تحول تنظيمي عميق يهدف إلى مأسسة "حرب الحرمان البحري" (Sea Denial).
إن نجاح تايوان في تأمين وتسلم هذه الأنظمة رغم الضغوط اللوجستية العالمية والتوترات الجيوسياسية يرسل رسائل قوية لسوق الدفاع العالمي:
- إعادة إحياء الأنظمة البرية المضادة للسفن: بعد عقود من التركيز على الصواريخ الجوية والبحرية، تعود "بطاريات الساحل المتنقلة" لتكون المنتج الأكثر طلباً. نرى اهتماماً متزايداً من دول في شرق أوروبا والخليج العربي بهذه الحلول التي توفر حماية سيادية بتكلفة أقل بكثير من بناء أساطيل بحرية كاملة.
- تعزيز مكانة شركة Boeing: رغم المنافسة الشرسة من أنظمة مثل NSM (Naval Strike Missile) التي تنتجها Kongsberg و Raytheon، أثبتت منصة Harpoon أنها لا تزال "المعيار الذهبي" (Gold Standard) في المرونة والقدرة على التكيف مع المنصات البرية، مما يضمن استمرارية خطوط إنتاجها لسنوات قادمة.
- سلاسل التوريد والأولويات السياسية: تبرز هذه الصفقة كيف تلعب الأولويات الأمنية القومية دوراً في تسريع أو إبطاء صفقات السلاح العالمية. إن إعطاء الأولوية لتايوان في استلام هذه الأنظمة يعكس سياسة واشنطن في "التسليح الاستباقي" لمناطق النزاع المحتملة، وهو ما قد يدفع دولاً أخرى للمطالبة بجدولة زمنية مماثلة في صفقاتها الخاصة.
- تكامل الأنظمة غير المتماثلة: الصفقة تفتح الباب أمام شركات البرمجيات والذكاء الاصطناعي لتقديم حلول دمج (Data Fusion) بين هذه الصواريخ وبين الدرونات (UAVs) والزوارق غير المأهولة (USVs)، وهو التوجه الذي بدأت تايوان بالفعل في استكشافه لتعزيز دقة الاستهداف.
إن وصول منظومات Harpoon إلى شواطئ تايوان ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو إعادة رسم لميزان القوى في مضيق تايوان. في مواجهة قوة بحرية تتوسع بسرعة، اختارت تايبيه الرهان على "الخفاء والفتك"، محولة جغرافيتها المعقدة إلى حليف استراتيجي. ومع اكتمال تسليم هذه الأنظمة بحلول عام 2028، ستكون قدرة أي أسطول مهاجم على فرض حصار أو تنفيذ إنزال قد واجهت تحدياً تقنياً وعسكرياً غير مسبوق، مما يجعل من مضيق تايوان أحد أكثر المسارح العسكرية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.