أخبار: فرنسا تُدشن مرحلة جديدة من السيادة البحرية بتجارب الغواصة الرابعة من فئة Barracuda

في خطوة استراتيجية تعكس الطموح الفرنسي لترسيخ مكانتها كقوة بحرية عالمية رائدة، أعلنت وكالة المشتريات الدفاعية الفرنسية (DGA) بالتعاون مع العملاق الصناعي Naval Group عن بدء تجارب البحر الأولى للغواصة الهجومية النووية الرابعة من فئة Barracuda، والتي تحمل اسم SSN De Grasse. انطلقت الغواصة من ميناء شيربورغ في 24 فبراير 2026، لتبدأ سلسلة من الاختبارات القاسية التي ستحدد مدى جاهزيتها العملياتية قبل تسليمها النهائي للبحرية الفرنسية (Marine Nationale) والمقرر في وقت لاحق من هذا العام.

تعتبر SSN De Grasse الحلقة الرابعة في مشروع طموح يتضمن بناء ست غواصات من فئة Suffren (وهو الاسم الرسمي لهذه الفئة داخل البحرية الفرنسية). وتأتي هذه التجارب، المعروفة بـ "Alpha Trials"، بعد نجاح عملية تشغيل المفاعل النووي للغواصة (Criticality) في ديسمبر 2025، مما يثبت كفاءة أنظمة الدفع النووية التي طورتها شركة TechnicAtome.

تتميز هذه الغواصة بمواصفات تقنية تجعلها من بين الأكثر فتكاً وهدوءاً في العالم، حيث تشمل ترسانتها:

- صواريخ الجوالة البحرية (Naval Cruise Missiles - MdCN) التي تمنح فرنسا قدرة "الضربة العميقة" من تحت سطح البحر لأول مرة في تاريخها.

- طوربيدات F21 Heavyweight الثقيلة الموجهة سلكياً لضمان التفوق في صراع الغواصات.

- صواريخ SM39 Exocet المحدثة والمضادة للسفن.

- نظام إدارة القتال SYCOBS في نسخته الأحدث، والذي يوفر تكاملاً فائقاً للمعلومات الاستخباراتية.

صُممت SSN De Grasse لتكون "شبحية" بامتياز، حيث تعتمد على تقنية دفع Pump-jet التي تقلل الضوضاء الصادرة عنها بمقدار 1000 مرة مقارنة بالأجيال القديمة، مما يجعل اكتشافها في أعماق المحيطات مهمة شبه مستحيلة.

من الناحية الاستراتيجية، يمثل دخول SSN De Grasse مرحلة التجارب نقلة نوعية في مفهوم "الردع غير النووي" الفرنسي. فبينما تمتلك فرنسا غواصات حاملة للصواريخ الباليستية النووية، تأتي فئة Barracuda لتوفر أداة قتالية مرنة وقادرة على التدخل في النزاعات التقليدية بكفاءة عالية.

بفضل استقلاليتها الطاقية الناجمة عن الدفع النووي، يمكن لهذه الغواصات البقاء في البحر لأكثر من 270 يوماً سنوياً، مما يسمح لفرنسا بحماية مصالحها في المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific)، وهي منطقة تشهد تنافساً جيوسياسياً محتدماً.

تم تجهيز SSN De Grasse بغرفة ضغط متطورة تسمح بنشر القوات الخاصة (Special Forces) والمعدات التحت مائية بشكل سري للغاية، مما يمنح باريس قدرة على تنفيذ مهام "جراحية" خلف خطوط العدو دون إثارة ضجيج دبلوماسي أو عسكري مباشر.

تعد هذه الغواصات الحارس الشخصي لحاملة الطائرات Charles de Gaulle، وبناء غواصة رابعة يضمن بقاء هذه المجموعة القتالية محمية بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الرصد والاشتباك تحت الماء.

بعد النجاح في تسريع وتيرة التسليم. بينما تعاني معظم المشاريع الدفاعية الكبرى من التأخير، تمكنت Naval Group من تقليص مدة بناء الغواصات اللاحقة بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالنسخة الأولى.

يضع هذا الإنجاز فرنسا في موقع قوي للمنافسة في أسواق التصدير (بنسخ تقليدية أو بالتعاون التقني)، خاصة بعد أزمة صفقة AUKUS. تثبت فرنسا أنها قادرة على إنتاج غواصات نووية متطورة وبصورة "مستقلة تماماً" عن التكنولوجيا الأمريكية.

النجاح في مفاعل K15 المستخدم في De Grasse يفتح آفاقاً تجارية لشركة TechnicAtome في سوق المفاعلات النووية الصغيرة (SMR) للأغراض المدنية والعسكرية على حد سواء.

الاعتماد الواسع على التصميم الرقمي (Digital Twin) والوحدات الجاهزة (Modular Construction) في برنامج Barracuda أصبح نموذجاً يُدرس للشركات العالمية الساعية لتقليل تكاليف الإنتاج وزيادة الكفاءة في بناء السفن الحربية المعقدة.