أخبار: BRP Rajah Sulayman تدشن حقبة "الردع المستدام" في المياه الفلبينية

في مشهد يجسد تطلعات مانيلا لفرض سيادتها الكاملة على مياهها الإقليمية، استقبلت البحرية الفلبينية (Philippine Navy) في العشرين من يناير 2026، السفينة القائدة من فئة سفن الدورية العالية البحار الجديدة، والتي حملت اسم BRP Rajah Sulayman (PS-20). يأتي هذا الحدث ليس مجرد إضافة تقنية لأسطول متهالك، بل كإعلان سياسي وعسكري صريح عن انتقال الفلبين من مرحلة "الدفاع السلبي" إلى مرحلة "الحضور الدائم والمؤثر" في المناطق المتنازع عليها، وتحديداً في بحر الفلبين الغربي (West Philippine Sea).

تعود جذور هذه الصفقة إلى عام 2022، عندما وقعت وزارة الدفاع الوطني الفلبينية عقداً بقيمة 30 مليار بيزو فلبيني (حوالي 530 مليون دولار أمريكي) مع شركة HD Hyundai Heavy Industries (HD HHI) الكورية الجنوبية، لبناء ست سفن دورية من طراز Offshore Patrol Vessel (OPV). وتمثل السفينة BRP Rajah Sulayman باكورة هذا المشروع الطموح، حيث تم إطلاقها في حوض بناء السفن التابع لشركة HD HHI في مدينة "أولسان" بكوريا الجنوبية في يونيو 2025، لتصل إلى قاعدة "سوبيك باي" البحرية (Subic Bay) في يناير 2026 بعد رحلة تسليم ناجحة.

وكان في استقبال السفينة الجديدة عند دخولها المياه الإقليمية الفرقاطة الصاروخية BRP Jose Rizal (FF-150)، في استعراض رمزي يربط بين قدرات الردع الصاروخي وقدرات الدورية والسيطرة التي ستقدمها الفئة الجديدة. وبحسب تصريحات نائب الأدميرال Jose Ma. Ambrosio Ezpeleta، قائد البحرية الفلبينية، فإن هذه السفن ستكون "العمود الفقري" لعمليات حماية الصيادين وإنفاذ القانون البحري وتأمين المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ).

تستند السفينة إلى تصميم HDP-2200+ المطور من قبل شركة HD Hyundai، وهي سفينة دورية يبلغ إزاحتها حوالي 2450 طناً، وطولها 94.4 متر، وعرضها 14.3 متر. تم تصميم هذه السفينة لتلائم متطلبات العمليات الطويلة، حيث تمتلك مدى عملياتياً يصل إلى 5500 ميل بحري، وقدرة على البقاء في عرض البحر لمدة تصل إلى 30 يوماً متواصلة دون الحاجة للتزود بالمؤن، وهو ما يحل معضلة "الاستدامة" التي كانت تواجه السفن الفلبينية القديمة.

وعلى صعيد التسليح والأنظمة، تم تجهيز BRP Rajah Sulayman بمدفع رئيسي من طراز Oto Melara 76mm Super Rapid، ونظامي سلاح يتم التحكم فيهما عن بُعد (RCWS) من طراز Aselsan SMASH 30mm. وما يميز هذه الفئة هو "المرونة المستقبلية"؛ حيث تم تجهيزها بأنظمة إدارة معارك (Combat Management System - CMS) متطورة من إنتاج شركة Hanwha Systems، مع مساحات مخصصة لإضافة أنظمة صواريخ سطح-سطح وسطح-جو وأنظمة حرب إلكترونية في مراحل لاحقة. كما تضم السفينة مهبطاً للطائرات المروحية قادراً على استقبال مروحيات بوزن 10 أطنان، بالإضافة إلى قدرتها على تشغيل الطائرات المسيرة (UAVs)، مما يعزز من قدرات الوعي بالمجال البحري (Maritime Domain Awareness).

تمثل BRP Rajah Sulayman الأداة المثالية لمواجهة ما يعرف بـ "تكتيكات المنطقة الرمادية" (Gray-zone tactics) التي تنتهجها القوى الإقليمية الكبرى في بحر الصين الجنوبي. فالفلبين كانت تعتمد سابقاً على فرقاطات متطورة ومكلفة لمهام الدورية الروتينية، مما أدى إلى استنزاف هذه القطع الثمينة، أو كانت تعتمد على سفن خشبية وقديمة لا تصمد أمام الضغوط الميدانية.

استراتيجياً، يتيح دخول هذه السفينة الخدمة للبحرية الفلبينية تحقيق "الوجود المستمر". فبينما كانت السفن السابقة تضطر للعودة للموانئ بسبب الظروف الجوية أو نقص المؤن، تستطيع BRP Rajah Sulayman البقاء في قلب المناطق الساخنة، مما يوفر حماية مباشرة للصيادين الفلبينيين ويمنع فرض سياسة "الأمر الواقع" من قبل الأطراف الأخرى. إنها رسالة مفادها أن السيادة الفلبينية لم تعد مجرد شعارات ديبلوماسية، بل أصبحت مدعومة بـ "فولاذ" قادر على الصمود والمواجهة.

تضع هذه الصفقة كوريا الجنوبية في موقع الريادة كأكبر مورد دفاعي لمنطقة جنوب شرق آسيا، وتحديداً من خلال شركة HD Hyundai Heavy Industries التي أثبتت قدرتها على تسليم قطع بحرية معقدة في جداول زمنية قياسية وبكلفة تنافسية. هذا النجاح يعزز من مفهوم "K-Defense" كبديل استراتيجي وموثوق للصناعات الغربية التقليدية التي قد تكون أعلى كلفة أو أبطأ في التسليم.

عالمياً، يعكس نجاح برنامج الـ OPV الفلبيني توجهاً متزايداً في سوق الدفاع نحو "سفن المهام المتعددة المرنة". فالدول لم تعد تبحث عن فرقاطات ثقيلة فقط، بل عن منصات يمكن تطويرها وتحويلها من سفن دورية خفيفة إلى قطع قتالية متكاملة عند الحاجة. إن نجاح الفلبين في تحديث أسطولها عبر برنامج Horizon 3، واعتمادها على التكنولوجيا الكورية الجنوبية، سيحفز دولاً أخرى في المنطقة (مثل فيتنام وماليزيا) على السير في ذات الاتجاه، مما يشعل المنافسة بين أحواض بناء السفن العالمية في هذا القطاع الحيوي.