في خطوة تعكس التسارع المستمر في برامج تحديث القوات البحرية السعودية، أعلنت شركة Navantia الإسبانية وضع عارضة الكورفيت السابع المخصص لصالح القوات البحرية الملكية السعودية، ضمن مشروع سفن Avante 2200 متعددة المهام، في تطور يؤكد استمرار الشراكة الدفاعية البحرية بين الرياض ومدريد، ويعكس في الوقت نفسه التوجه السعودي المتزايد نحو توطين الصناعات العسكرية البحرية ضمن مستهدفات "رؤية السعودية 2030".
وجرت مراسم وضع العارضة في حوض بناء السفن التابع لشركة Navantia بمدينة سان فرناندو الإسبانية، حيث أكدت الشركة أن السفينة الجديدة تحمل الرقم الإنشائي “Construction No. 576” وستدخل الخدمة مستقبلاً باسم “HMS NEOM”، لتصبح ثاني سفينة ضمن الدفعة الإضافية المكونة من ثلاث كورفيتات جديدة تعاقدت عليها وزارة الدفاع السعودية مع الجانب الإسباني في ديسمبر 2024.
ويمثل هذا المشروع امتداداً مباشراً للنجاح الذي حققه برنامج الكورفيتات الخمس الأولى من فئة Avante 2200، والتي سلمتها Navantia للقوات البحرية السعودية بين عامي 2022 و2024 ضمن برنامج “ALSARAWAT”، الذي يعد أحد أكبر برامج التعاون البحري العسكري بين السعودية وأوروبا خلال العقد الأخير. وقد أسهمت تلك السفن في رفع القدرات العملياتية للأسطول السعودي في البحر الأحمر والخليج العربي، خصوصاً في مهام حماية الممرات البحرية، ومكافحة التهديدات غير التقليدية، وتعزيز قدرات الحرب البحرية متعددة المهام.
وبحسب المعلومات الرسمية، فإن السفينة الأولى من الدفعة الجديدة سيتم استكمال بنائها وتسليمها في إسبانيا، بينما ستشهد السفينتان الثانية والثالثة ــ ومن بينهما HMS NEOM ــ تنفيذ مراحل متقدمة من التجهيز والتركيب واختبارات أنظمة القتال داخل المملكة العربية السعودية، في إطار توسيع نطاق التصنيع والتكامل المحلي للأنظمة البحرية العسكرية. كما يتضمن العقد برامج دعم لوجستي متكاملة، وتدريباً للأطقم البحرية السعودية، إضافة إلى تأهيل نحو 100 مهندس سعودي ضمن اتفاقية المشاركة الصناعية المرتبطة بالمشروع.
ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي لشركة SAMINavantia، وهي المشروع المشترك بين شركة Saudi Arabian Military Industries (SAMI) السعودية وNavantia الإسبانية، والذي بات يشكل إحدى الركائز الرئيسية في استراتيجية المملكة لتوطين التكنولوجيا البحرية العسكرية. وتشارك الشركة في دمج واختبار أنظمة القتال الخاصة بالكورفيتات السعودية، وعلى رأسها منظومة HAZEM Combat System، التي طُورت خصيصاً لتلبية متطلبات القوات البحرية الملكية السعودية.
الكورفيتات السعودية من فئة Avante 2200 تمثل منصة بحرية متعددة المهام بقدرات قتالية متقدمة نسبياً مقارنة بحجمها، إذ يبلغ طول السفينة نحو 99 متراً، مع إزاحة تقارب 2500 طن، وقدرة على تنفيذ عمليات الحرب المضادة للغواصات ASW، والحرب المضادة للأهداف السطحية ASuW، والدفاع الجوي AAW، إضافة إلى مهام الاستطلاع والمراقبة وحماية السواحل والمنشآت البحرية الحيوية. كما تتميز السفن بسرعة تصل إلى 24 عقدة ومدى عملياتي طويل يسمح لها بتنفيذ مهام ممتدة في المياه الإقليمية والدولية.
وتضم السفن باقة متقدمة من الأنظمة القتالية والإلكترونية، من بينها نظام الاتصالات المتكامل HERMESYS، ونظام إدارة المنصة المتكامل Integrated Platform Control System، ونظام MINERVA لإدارة الجسر البحري، إضافة إلى منظومات رادارية واستشعار متطورة. كما زُودت السفن السعودية بأنظمة تسليح تشمل صواريخ مضادة للسفن من طراز Harpoon Block II، وصواريخ دفاع جوي VL MICA، ومدفع Leonardo Super Rapid عيار 76 ملم، ومنظومة Rheinmetall Millennium CIWS، إلى جانب أنابيب إطلاق طوربيدات ومهبط وحظيرة لطائرة مروحية بحرية.
ويأتي التوسع السعودي في برنامج Avante 2200 في وقت تشهد فيه البيئة الأمنية البحرية في المنطقة تحولات متسارعة، خصوصاً مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة البحرية، والزوارق الانتحارية، والصواريخ المضادة للسفن، فضلاً عن التوترات المستمرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج العربي. ولهذا السبب، تعمل الرياض منذ سنوات على إعادة بناء قدراتها البحرية بصورة شاملة، تشمل تحديث الأسطول السطحي، وتعزيز الدفاعات الساحلية، وتطوير قدرات المراقبة البحرية والحرب الشبكية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن البرنامج البحري السعودي مع Navantia يتجاوز مجرد شراء قطع بحرية جديدة، إذ يمثل نموذجاً متقدماً لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية المحلية. فالسعودية تسعى إلى رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى أكثر من 50% بحلول عام 2030، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على إدخال الكفاءات السعودية في مراحل التصنيع والتجميع والتكامل الفني، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المنظومات الجاهزة.
كما أن إشراك المهندسين السعوديين في عمليات بناء وتجهيز الكورفيتات يمنح المملكة فرصة لبناء خبرات وطنية في قطاع الصناعات البحرية العسكرية، الذي يُعد من أكثر القطاعات تعقيداً من الناحية التقنية والهندسية. ويعزز ذلك طموحات الرياض للتحول مستقبلاً إلى مركز إقليمي للصناعات الدفاعية البحرية، خاصة مع المشاريع الكبرى المرتبطة بمدينة NEOM ومشروعات البحر الأحمر والبنية التحتية الساحلية العملاقة.
وعلى الصعيد الدولي، تمثل الصفقة دفعة قوية لشركة Navantia التي تسعى إلى تعزيز حضورها في سوق السفن القتالية العالمية، في ظل منافسة متزايدة مع شركات أوروبية وكورية جنوبية وتركية وأمريكية. وقد نجحت الشركة الإسبانية خلال السنوات الأخيرة في توظيف برنامج الكورفيتات السعودية كنموذج تسويقي لقدراتها في تصميم وإنتاج السفن القتالية المتوسطة متعددة المهام.
كما أن استمرار التعاون السعودي الإسباني في هذا القطاع يعكس تنامي أهمية الصناعات البحرية ضمن سباق التسلح الإقليمي، حيث باتت الدول المطلة على البحر الأحمر والخليج العربي تولي اهتماماً متزايداً ببناء أساطيل حديثة قادرة على حماية الممرات التجارية الحيوية والبنية التحتية للطاقة، خصوصاً في ظل التهديدات غير التقليدية والحروب البحرية منخفضة الكلفة.
وفي الإطار الجيوسياسي الأوسع، يمنح تطوير البحرية السعودية بهذا الشكل الرياض قدرة أكبر على لعب دور محوري في أمن الملاحة الدولية، خاصة أن المملكة تقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أن امتلاك أسطول حديث متعدد المهام يعزز قدرة السعودية على العمل المشترك مع الحلفاء الإقليميين والدوليين ضمن عمليات الأمن البحري وحماية خطوط التجارة والطاقة العالمية.
ومع استمرار العمل على الكورفيتات الثلاث الجديدة، تبدو المملكة العربية السعودية ماضية بثبات نحو بناء قوة بحرية أكثر تطوراً ومرونة، تعتمد ليس فقط على شراء المنظومات الحديثة، بل أيضاً على تأسيس قاعدة صناعية وتقنية محلية قادرة على دعم وتشغيل وتطوير هذه القدرات مستقبلاً. وفي هذا السياق، فإن وضع عارضة “HMS NEOM” لا يمثل مجرد خطوة هندسية في مشروع بحري، بل يشكل محطة جديدة في مسار التحول الاستراتيجي للصناعات الدفاعية السعودية، وتوسيع نفوذ المملكة البحري في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى الأمن العالمي.