في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحديث العسكري في منطقة القوقاز، شهدت أروقة معرض الدفاع العالمي (World Defense Show 2026) المنعقد في العاصمة السعودية "الرياض"، توقيع واحدة من أبرز الصفقات الدفاعية لهذا العام. حيث أعلنت جمهورية أذربيجان عن إبرام اتفاقية إطارية ضخمة مع جمهورية سلوفاكيا للاستحواذ على منظومات قذائف الهاون ذاتية الدفع من طراز SAM-120، في صفقة وصفتها الأوساط العسكرية بأنها "تاريخية" لقطاع الصناعات الدفاعية السلوفاكي.
وقع الاتفاقية من الجانب السلوفاكي وزير الدفاع Robert Kaliňák، وممثلاً عن شركة ZTS Špeciál، بينما مثل الجانب الأذربيجاني مؤسسة Iglin Research and Production Enterprise التابعة لوزارة الصناعة الدفاعية. وتشمل المرحلة الأولى من هذا التعاون توريد 96 نظاماً من طراز SAM-120 بقيمة إجمالية تصل إلى 210 مليون يورو، مع وجود خيار مستقبلي لرفع العدد الإجمالي إلى 300 منظومة، مما قد يرفع القيمة الإجمالية للتعاون إلى نحو 650 مليون يورو.
تعد منظومة SAM-120، التي تنتجها شركة ZTS Špeciál، نقلة نوعية في مفهوم الدعم الناري القريب والوسيط. النظام عبارة عن هاون أتوماتيكي عيار 120 ملم، مثبت على منصة ذاتية الدفع تعتمد غالباً على هيكل الشاحنة التكتيكية Tatra Force 815-7 (6×6). يتميز هذا السلاح بقدرة هائلة على إطلاق النار بمعدل يصل إلى 20 قذيفة في الدقيقة، بفضل نظام التلقيم الأتوماتيكي المبتكر الذي يحتوي على مخزن دائري (Carousel) يتسع لـ 35 قذيفة.
وما يميز SAM-120 في ساحة المعركة الحديثة هو مفهوم "البرج المسلح المدار عن بعد" (Remotely Operated Turret)، حيث يتم التحكم في عملية الإطلاق بالكامل من داخل كابينة القيادة المدرعة من طراز Puma L2 Long، مما يوفر حماية قصوى للطاقم المكون من 2 إلى 4 أفراد ضد الشظايا والطلقات النارية. كما زودت المنظومة بنظام إدارة النيران المتطور Lansys من إنتاج شركة Kerametal السلوفاكية، والذي يضمن دقة عالية في الإصابة وسرعة في الانتقال من وضع الحركة إلى وضع الإطلاق، وهو ما يعرف تكتيكياً بأسلوب "Shoot and Scoot" لتجنب النيران المضادة.
تأتي هذه الصفقة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تسعى باكو إلى تعزيز تفوقها العسكري النوعي في منطقة جنوب القوقاز. ومن الناحية الاستراتيجية، تعكس هذه الخطوة رغبة أذربيجان في تنويع مصادر تسلحها بعيداً عن الموردين التقليديين، والتوجه نحو التكنولوجيا الأوروبية التي أثبتت كفاءة عالية في النزاعات الحديثة.
إن اختيار منظومة SAM-120 تحديداً يشير إلى استخلاص باكو لدروس حرب القوقاز الأخيرة، حيث برزت الحاجة إلى وحدات مدفعية خفيفة، عالية الحركة، وقادرة على تقديم دعم ناري مكثف وسريع في المناطق الجبلية والوعرة. كما أن البعد الأهم في هذه الاتفاقية هو ما صرح به وزير الدفاع السلوفاكي Robert Kaliňák حول إمكانية "نقل التكنولوجيا" (Transfer of Technology) ومنح تراخيص للإنتاج المحلي داخل أذربيجان، مما يعني أن باكو لا تشتري سلاحاً فحسب، بل تبني قاعدة صناعية دفاعية سيادية تجعلها مركزاً إقليمياً للصيانة والتصنيع.
على الصعيد العالمي، تمثل هذه الصفقة انتصاراً كبيراً للصناعة الدفاعية السلوفاكية، التي بدأت تستعيد بريقها كلاعب رئيسي في سوق الأسلحة التقليدية والمتطورة. نجاح شركة ZTS Špeciál في تأمين هذا العقد الضخم يضعها في منافسة مباشرة مع كبريات الشركات المصنعة لأنظمة الهاون ذاتية الدفع مثل الشركات الفنلندية والفرنسية.
علاوة على ذلك، فإن توجه دول مثل أذربيجان نحو الاستثمار في أنظمة الهاون الأتوماتيكية المحمولة على شاحنات (Truck-mounted systems) بدلاً من المجنزرات الثقيلة، يعزز من اتجاه عالمي جديد يقدس "المرونة اللوجستية" وخفض تكاليف التشغيل دون التضحية بالقوة النارية. ومن المتوقع أن تفتح هذه الصفقة الباب أمام دول أخرى في آسيا الوسطى وشرق أوروبا للاقتداء بباكو، خاصة مع إثبات أنظمة Tatra و ZTS Špeciál لمتانتها في مختلف الظروف المناخية.
إن التعاون الدفاعي بين باكو وبراتيسلافا يتجاوز مجرد بيع وشراء المعدات، ليصل إلى مرحلة التحالف الصناعي. ومن المنتظر أن يتم الكشف عن أول نسخة مخصصة للجيش الأذربيجاني من نظام SAM-120 في معرض الدفاع المقرر إقامته في باكو في خريف عام 2026، مما سيشكل منصة لإظهار مدى التقدم في دمج هذه المنظومة السلوفاكية ضمن العقيدة العسكرية الأذربيجانية المتطورة.