أخبار: ألمانيا تزيح الصين وتقتنص المركز الرابع عالمياً في صادرات السلاح

في مفاجأة عكست حجم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في القارة الأوروبية، كشف التقرير السنوي الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في مارس 2026، عن ارتقاء ألمانيا إلى المركز الرابع عالمياً ضمن أكبر مصدري الأسلحة في العالم. وبحسب البيانات الموثقة للفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025، تمكنت برلين من تجاوز الصين للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، حيث استحوذت الصناعات الدفاعية الألمانية على حصة سوقية بلغت 5.7% من إجمالي الصادرات العالمية، متفوقة بـ 0.1% على بكين التي تراجعت حصتها إلى 5.6%.

ويأتي هذا الصعود الألماني مدفوعاً بزيادة قياسية في الإنتاج وتوسع في الأسواق الخارجية، حيث سجلت الصادرات الألمانية نمواً بنسبة 15% مقارنة بالفترة الخمسية السابقة. وتصدرت شركات عملاقة مثل "Rheinmetall" و"Thales Germany" و"TKMS" المشهد الدفاعي من خلال صفقات ضخمة شملت أنظمة الدفاع الجوي، والمدرعات الثقيلة، والقطع البحرية المتقدمة، مما يعكس تحول ألمانيا من سياسة "التحفظ العسكري" إلى دور "المزود الأمني الرئيسي" في أوروبا والشرق الأوسط.

ساهمت عدة صفقات استراتيجية في تأمين هذا المركز المتقدم لألمانيا، حيث كانت أوكرانيا المتلقي الأول بنسبة 24% من إجمالي الصادرات الألمانية كجزء من المساعدات العسكرية النوعية. وشملت هذه التوريدات منظومات الدفاع الجوي المتطورة "IRIS-T SLM" من إنتاج شركة "Diehl Defence"، والتي أثبتت كفاءة استثنائية في ميادين القتال الحقيقية، مما زاد الطلب العالمي عليها بشكل غير مسبوق.

كما حافظ القطاع البحري الألماني على تفوقه، حيث شكلت الغواصات من فئة "Type 214" والفرقاطات المتطورة عصب الصادرات لكل من مصر وإسرائيل وسنغافورة. وفي سياق متصل، أعلنت شركة "Rheinmetall" مؤخراً عن حجم طلبيات قياسي وصل إلى 63.8 مليار يورو (حوالي 74 مليار دولار)، مدعوماً بطلب متزايد على ذخائر "155mm Artillery Shells" ومدرعات "Lynx" و"Leopard 2A8". هذا التوسع في الإنتاج لم يقتصر على الداخل الألماني، بل امتد لافتتاح مصانع ذخيرة جديدة في عدة دول أوروبية لضمان استمرارية التوريد وتلبية احتياجات الحلفاء.

استراتيجياً، يمثل تجاوز ألمانيا للصين في سوق السلاح دليلاً على إعادة ترتيب أولويات الأمن القومي لدى الدول المستوردة. فبينما تراجعت الصادرات الروسية بنسبة هائلة بلغت 64%، وجدت العديد من الدول في التكنولوجيا الألمانية "ملاذاً آمناً" يجمع بين الموثوقية الهندسية والتحالف الاستراتيجي مع الكتلة الغربية. إن تراجع الصين إلى المركز الخامس لا يعكس ضعفاً تقنياً بقدر ما يعكس تحولاً في استراتيجية بكين التي باتت تركز على "الاكتفاء الذاتي" وتجهيز قواتها المسلحة المحلية، بالإضافة إلى تزايد الحذر الدولي من الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية في القطاعات الحساسة.

بالنسبة لألمانيا، فإن هذا التحول ينهي عقوداً من التردد السياسي في تصدير الأسلحة، ويؤكد أن "Zeitenwende" (نقطة التحول التاريخية) التي أعلنها المستشار الألماني لم تكن مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى واقع صناعي واقتصادي. ألمانيا الآن لا تبيع السلاح فحسب، بل تصدر "السيادة الدفاعية" لحلفائها عبر أنظمة قتالية مترابطة، مما يعزز من نفوذ برلين السياسي داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ويجعلها القطب الدفاعي الأبرز في القارة العجوز.

عالمياً، سيؤدي هذا الارتفاع في حصة ألمانيا السوقية إلى اشتعال المنافسة في قطاع "High-end Defense Systems". من المتوقع أن تدخل ألمانيا في مواجهة تجارية مباشرة مع فرنسا (التي تحتل المركز الثاني بنسبة 9.8%) على عقود تسليح الجيل القادم من الدبابات والطائرات الأوروبية. كما أن الصعود الألماني يضغط على شركات الدفاع الأمريكية لتطوير حلول أكثر مرونة وتكلفة لمنافسة "الجودة الألمانية" في أسواق حيوية مثل الهند والشرق الأوسط.

اقتصادياً، يشير نجاح "Rheinmetall" في تحقيق نمو متوقع في المبيعات يصل إلى 45% لعام 2026 إلى أن قطاع الدفاع أصبح القاطرة الجديدة لنمو الاقتصاد الألماني، في وقت تعاني فيه قطاعات تقليدية مثل السيارات. هذا التوجه سيحفز دولاً أخرى مثل إيطاليا وكوريا الجنوبية على تسريع وتيرة إنتاجها الدفاعي، مما قد يؤدي إلى تخمة في العرض ببعض القطاعات، ولكن مع تفوق واضح للدول التي تمتلك تكنولوجيا "Integrated Systems" و"Battlefield Management". إن خارطة عام 2026 تؤكد حقيقة واحدة: المركز الرابع ليس إلا البداية لبرلين في سعيها لتصبح "ترسانة الديمقراطية" في أوروبا.