في خطوة تعكس تسارع وتيرة التسلح وإعادة الهيكلة الشاملة للقوات المسلحة الألمانية، أعلنت مجموعة Rolls-Royce Power Systems عن إبرام واحدة من أضخم الصفقات الدفاعية في تاريخها مع وزارة الدفاع الألمانية. تأتي هذه الصفقة لتزويد مركبات المشاة القتالية من طراز Puma بنظام الدفع المتطور mtu PowerPack، في إطار خطة استراتيجية تهدف إلى ضمان التفوق التكتيكي والموثوقية العملياتية للمدرعة التي تُعد "الدرة التاج" في سلاح المشاة الميكانيكي الألماني.
بتاريخ 26 مارس 2026، تم الكشف عن تفاصيل العقد الذي يتضمن توريد نحو 200 وحدة دفع من طراز mtu PowerPack، المجهزة بمحركات 10V 890 فائقة القدرة. ووفقاً للجدول الزمني المعلن، ستكتمل عمليات التوريد لتبدأ عمليات الدمج الفعلي في المركبات بحلول عام 2028.
هذا النظام ليس مجرد محرك تقليدي، بل هو وحدة متكاملة تجمع بين محرك 10V 890 المكون من عشر أسطوانات بسعة 11 ليتراً، والذي يولد قوة تصل إلى 800 كيلووات (ما يعادل 1090 حصاناً)، وبين ناقل الحركة المتطور RENK HSWL 256 الذي تنتجه شركة RENK Group AG. وصف مسؤولو شركة Rolls-Royce هذا النظام بأنه "محرك فورمولا 1" للمدرعات، نظراً لكثافة القوة الهائلة التي يوفرها ضمن تصميم مدمج للغاية يزن حوالي 3.5 طن، وهو ما يسمح للمدرعة Puma، التي يبلغ وزنها القتالي حوالي 45 طناً، بالحفاظ على رشاقة حركية استثنائية وسرعة تصل إلى 70 كم/ساعة.
وتتضمن التحديثات التقنية في هذه الصفقة أنظمة إلكترونيات طاقة جديدة، ونظام تبريد محسن بالكامل، بالإضافة إلى ابتكار تقني يتمثل في "نافخ الغبار الخشن" (Coarse Dust Blower) المصمم خصيصاً لحماية المحرك من الجزيئات الدقيقة والرمل في البيئات القاسية، مما يفتح الباب أمام تشغيل المدرعة في مسارح عملياتية خارج النطاق الأوروبي التقليدي.
تكتسب هذه الصفقة دلالة استراتيجية عميقة بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية في القارة الأوروبية. فالمدرعة Puma، التي تُنتجها شركة PSM Project System & Management GmbH (وهي مشروع مشترك بين عمالقة الصناعة KNDS Deutschland و Rheinmetall Landsysteme)، لم تعد مجرد مركبة نقل مشاة، بل أصبحت منصة قتالية مركزية في استراتيجية "الردع النشط" التي تبنتها ألمانيا بعد عام 2022.
استراتيجياً، تهدف ألمانيا من خلال تحديث منظومة الدفع إلى معالجة "فجوة الجاهزية" التي عانت منها أساطيل Puma في السابق. إن رفع كفاءة المحركات يضمن استدامة العمليات لفترات أطول دون أعطال تقنية، وهو أمر حيوي للقوات التي تشكل العمود الفقري لقوات المهام المشتركة عالية الجاهزية التابعة للناتو (VJTF). كما أن دمج نظام mtu PowerPack الجديد يتماشى مع التحديثات الأخرى للمدرعة، مثل تزويدها بصواريخ MELLS (النسخة الأوروبية من صواريخ Spike LR) وأنظمة الرؤية الرقمية المتطورة، مما يحول Puma إلى وحدة قتالية شبكية متكاملة قادرة على الهيمنة في حروب الأسلحة المشتركة.
على الصعيد العالمي، تُرسل هذه الصفقة رسائل قوية لمنافسي الصناعة الدفاعية الألمانية. أولاً، تؤكد الهيمنة التكنولوجية لشركات مثل Rolls-Royce Power Systems و RENK Group AG في مجال أنظمة الدفع الثقيلة، حيث تضع معايير جديدة لـ "كثافة القوة مقابل الحجم". هذا النجاح التقني يعزز من فرص تصدير تقنيات الدفع الألمانية لمنصات مدرعة أخرى حول العالم، أو حتى اعتمادها كمعيار في مشروع الدبابة الأوروبية المستقبلية MGCS.
ثانياً، تعكس الصفقة تحولاً في سوق الدفاع العالمي نحو "ترقية المنصات القائمة" بدلاً من بناء منصات جديدة كلياً. إن استثمار مليارات اليوروهات في تحديث محركات وناقلات حركة لأسطول موجود بالفعل يشير إلى توجه الدول الكبرى نحو إطالة العمر الافتراضي لمعداتها مع تزويدها بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الرقمية والميكانيكية. هذا التوجه سيحفز شركات الصناعات الدفاعية العالمية على زيادة استثماراتها في قطاع "وحدات الطاقة القابلة للإحلال" (Modular Power Units)، والتي تتيح مرونة عالية في التحديث والصيانة.
علاوة على ذلك، فإن الشراكة الوثيقة بين Rheinmetall و KNDS و Rolls-Royce في هذا المشروع تعزز من مفهوم "السيادة الصناعية الأوروبية". ففي ظل تزايد الاعتماد على التقنيات الأمريكية أو الآسيوية، يثبت المجمع الصناعي الدفاعي الألماني قدرته على إنتاج حلول متكاملة محلياً، مما يقلل من التبعية اللوجستية ويحفز النمو الاقتصادي في قطاع التصنيع المتقدم.
إن التعاقد على 200 وحدة دفع جديدة ليس نهاية المطاف، بل هو جزء من رؤية أشمل تتضمن تحديث حوالي 297 مدرعة Puma إلى المعيار S1 بحلول عام 2029، مع التخطيط لإدخال المعيار S2 في منتصف عام 2026 لإضافة قدرات الدفاع ضد الطائرات بدون طيار.
تمثل صفقة محركات mtu PowerPack للمدرعة Puma إعادة تعريف لمفهوم "الموثوقية تحت النار". ومن خلال دمج هندسة ميكانيكية متفوقة مع رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تضع ألمانيا نفسها في طليعة القوى البرية القادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، مؤكدة أن "القلب النابض" لقواتها المدرعة سيظل ألمانياً بامتياز، وبكفاءة تكنولوجية تتفوق على نظيراتها في السوق العالمية.