الجيش البرازيلي يعيد رسم خارطة القوة في تحرك استراتيجي يعكس طموحات برازيليا في قيادة التوازن العسكري في أمريكا الجنوبية، حيث أعلنت وزارة الدفاع البرازيلية في مطلع عام 2026 عن استكمال نشر وتطوير وحدات جديدة من منظومة المدفعية الصاروخية المتعددة المتطورة ASTROS II (Artillery Saturation Rocket System). يأتي هذا الانتشار في إطار برنامج "الاستراتيجية الوطنية للدفاع" الذي يهدف إلى بناء قوة ضربة برية بعيدة المدى قادرة على توفير حماية سيادية للأراضي البرازيلية الشاسعة، وتعزيز مفهوم الردع الإقليمي ضد أي تهديدات محتملة للموارد الوطنية أو الحدود البرية.
تعتبر منظومة ASTROS II MK6، التي تنتجها شركة Avibras Indústria Aeroespacial البرازيلية، درة تاج الصناعة الدفاعية في البلاد. ولا تقتصر أهمية هذا النشر على الجانب العسكري الفني فحسب، بل يمثل رسالة سياسية قوية حول قدرة البرازيل على الاعتماد على تكنولوجيتها الوطنية لتأمين مصالحها الجيوسياسية. وقد شملت عمليات النشر الأخيرة تحديثات برمجية وأنظمة توجيه متطورة تتيح للجيش البرازيلي تنفيذ ضربات جراحية دقيقة، مما ينقل سلاح المدفعية البرازيلي من مفهوم "النيران المساحية" إلى مفهوم "النيران الذكية عالية الدقة".
تتميز منظومة ASTROS II بمرونة عملياتية منقطعة النظير، حيث تعتمد على تصميم المنصة المتعددة العيارات التي يمكنها إطلاق أنواع مختلفة من الصواريخ من نفس العربة. تتراوح هذه الصواريخ من عيار 127 ملم (صواريخ SS-30) وصولاً إلى الصاروخ الجوال الأبرز AV-MTC (Matador) الذي يصل مداه إلى 300 كيلومتر، وهو ما يمنح البرازيل قدرة على استهداف العمق الاستراتيجي لأي خصم بدقة متناهية وبنسبة خطأ ضئيلة بفضل نظام التوجيه بالقصور الذاتي (INS) والمعزز بنظام GPS.
تعتمد المنظومة على شاسيه شاحنة عسكرية من طراز Tatra أو شاحنات برازيلية محلية الصنع، مما يوفر لها قدرة عالية على الحركة في التضاريس الوعرة والغابات، وهو أمر حيوي بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للبرازيل. كما تم تزويد النسخ الحديثة بنظام إدارة نيران رقمي متكامل يسمح بالربط مع الطائرات بدون طيار (UAVs) لتصحيح الرماية ورصد الأهداف في الوقت الفعلي، مما يجعلها واحدة من أكثر أنظمة المدفعية الصاروخية فتكاً في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
تمثل خطوة نشر ASTROS II تحولاً جوهرياً في العقيدة العسكرية البرازيلية، حيث تبتعد عن كونها قوة دفاعية تقليدية لتصبح قوة ردع إقليمية مهيمنة. استراتيجياً، يمنح امتلاك صواريخ بمدى 300 كيلومتر برازيليا القدرة على فرض "منطقة عازلة" تقنية حول حدودها، مما يثني أي طرف إقليمي عن التفكير في تحرشات حدودية أو النزاع على الموارد الطبيعية في حوض الأمازون أو المناطق الغنية بالمعادن.
علاوة على ذلك، فإن نجاح شركة Avibras في تطوير هذه المنظومة يعزز من مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" للبرازيل. ففي عالم تتزايد فيه القيود على نقل التكنولوجيا الصاروخية، نجحت البرازيل في بناء دورة إنتاج كاملة محلياً، مما يحمي قرارها العسكري من الضغوط الخارجية. هذا التطور يضع البرازيل ليس فقط كقوة عسكرية، بل كمركز ثقل صناعي قادر على تزويد حلفائه في "الجنوب العالمي" بأنظمة دفاعية لا تخضع للقيود السياسية الغربية الصارمة.
يعيد بروز ASTROS II كلاعب أساسي في سوق المدفعية الصاروخية بعيدة المدى تسليط الضوء على المنافسة بين الأنظمة الغربية مثل HIMARS الأمريكية والأنظمة الصاعدة. إن قدرة شركة Avibras على تقديم نظام "متعدد العيارات" وبمدى يصل إلى 300 كم يجعلها منافساً قوياً في الأسواق التي تبحث عن الفاعلية مقابل التكلفة، خاصة في أفريقيا وآسيا.