أخبار: الجيش الأمريكي يستكمل تحويل اللواء الثالث مدرع من دبابات Abrams إلى مدرعات Stryker

بدأ الجيش الأمريكي المرحلة النهائية من إعادة هيكلة اللواء الثالت مدرع التابع للفرقة الرابعة مشاة، في خطوة تمثل أحد أبرز برامج التحول التنظيمي داخل القوات البرية الأمريكية، وذلك عبر التخلي تدريجيًا عن تشكيله الثقيل القائم على دبابات M1A2 Abrams وعربات المشاة القتالية Bradley، تمهيدًا لإعادة تنظيمه كوحدة تعتمد على مدرعات Stryker 8×8 متعددة المهام.. ويأتي هذا التحول في إطار استراتيجية أوسع يتبناها الجيش الأمريكي لتعزيز قدراته على الانتشار السريع وخوض العمليات متعددة المجالات، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي أصبحت تمثل أولوية متقدمة في التخطيط العسكري الأمريكي.

ويمثل هذا التحول نهاية مرحلة امتدت لسنوات كان خلالها اللواء أحد تشكيلات المناورة الثقيلة المزودة بدبابات Abrams وعربات Bradley، وهي المنظومات التي شكلت العمود الفقري للقوات المدرعة الأمريكية لعقود طويلة. إلا أن القيادة العسكرية الأمريكية باتت ترى أن متطلبات المواجهة المستقبلية، خصوصًا في المسارح الواسعة والمتناثرة جغرافيًا، تتطلب تشكيلات أكثر خفة وقدرة على المناورة والانتشار، دون الاعتماد الكامل على الوحدات الثقيلة ذات الأعباء اللوجستية الكبيرة.

وتتزامن عملية التحول مع نقل الفرقة الرابعة مشاة إلى قيادة الفيلق الأول، وهي القيادة المسؤولة عن إدارة عمليات الجيش الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يعكس ارتباط إعادة الهيكلة بالتحول الاستراتيجي الأمريكي نحو مواجهة التحديات الأمنية في تلك المنطقة. كما شارك اللواء مؤخرًا في مناورات Project Convergence Capstone 6، التي تعد منصة رئيسية لاختبار مفاهيم القتال المستقبلية، حيث واصل تقييم منظومة القيادة والسيطرة الجديدة Next Generation Command and Control (NGC2) قبل استكمال إجراءات إعادة تصنيفه رسميًا ليصبح اللواء الثالث Stryker..

ورغم أن الجيش الأمريكي لم يكشف عن العدد الدقيق للمعدات التي ستغادر خدمة اللواء، فإن الهيكل القياسي لألوية Armored Brigade Combat Team يشير إلى أن عملية التحول ستشمل استبدال ما يقارب 87 دبابة M1A2 Abrams ونحو 138 عربة Bradley Fighting Vehicle. وفي المقابل، سيحصل اللواء على أكثر من 300 مدرعة من عائلة Stryker بمختلف نسخها، بما يضمن امتلاك تشكيل متكامل قادر على تنفيذ طيف واسع من المهام القتالية مع تقليل الوزن والأعباء اللوجستية بصورة كبيرة.

وتضم عائلة Stryker مجموعة متنوعة من النسخ المتخصصة، من بينها M1126 Infantry Carrier Vehicle لنقل المشاة، وM1256 Double V-Hull Infantry Carrier Vehicle ذات الحماية المحسنة ضد الألغام والعبوات الناسفة، وM1127 Reconnaissance Vehicle للاستطلاع، وM1130 Command Vehicle للقيادة والسيطرة، وM1131 Fire Support Vehicle لتنسيق النيران، وM1132 Engineer Squad Vehicle لدعم الوحدات الهندسية، وM1133 Medical Evacuation Vehicle للإخلاء الطبي، وM1134 Anti-Tank Guided Missile Vehicle المزودة بصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى M1129 120 mm Mortar Carrier لتوفير الإسناد النيراني غير المباشر. ويمنح هذا التنوع اللواء قدرة على تنفيذ مهام قتالية متكاملة باستخدام منصة موحدة تقلل تكاليف التشغيل والصيانة مقارنة بالتشكيلات المدرعة التقليدية.

ويعتمد مفهوم ألوية Stryker القتالية على تحقيق توازن بين القوة النيرانية وسرعة الحركة، إذ توفر مدرعات Stryker 8×8 قدرة أعلى على الحركة الاستراتيجية مقارنة بالدبابات المجنزرة، مع إمكانية نقلها جوًا وبحرًا بصورة أسرع، فضلًا عن استهلاكها الأقل للوقود وانخفاض متطلبات الدعم الفني والإمداد. وتمنح هذه الخصائص القيادة العسكرية مرونة أكبر في نقل الألوية بين مسارح العمليات المختلفة خلال فترات زمنية أقصر، وهو عنصر أصبح يحظى بأولوية متزايدة في ظل المنافسة العسكرية مع القوى الكبرى.

ويؤكد الجيش الأمريكي أن إعادة الهيكلة لا تعني التخلي عن القوات المدرعة الثقيلة أو التقليل من أهمية دبابات Abrams، بل تمثل إعادة توزيع للقدرات بما يتناسب مع طبيعة كل مسرح عمليات. ففي حين تظل الدبابات الثقيلة عنصرًا رئيسيًا في الحروب واسعة النطاق والاشتباكات عالية الكثافة، فإن ألوية Stryker توفر مرونة أكبر في تنفيذ مهام الانتشار السريع، والردع، والعمليات المشتركة، والدعم المبكر للقوات المنتشرة في المناطق البعيدة، خاصة في الجزر والمناطق الساحلية المنتشرة عبر المحيطين الهندي والهادئ.

ويأتي هذا التحول أيضًا بالتوازي مع برنامج تحديث واسع يشهده الجيش الأمريكي يشمل تطوير أنظمة القيادة والسيطرة الرقمية، وتوسيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة المعركة، وربط الوحدات القتالية بشبكات تبادل بيانات لحظية تتيح اتخاذ القرار بصورة أسرع. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر تحديث اللواء على استبدال المركبات، وإنما يشمل إعادة بناء العقيدة القتالية وأساليب القيادة والتنسيق بين الوحدات البرية والجوية والبحرية والفضائية والإلكترونية ضمن مفهوم العمليات متعددة المجالات.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس هذا القرار إدراكًا أمريكيًا بأن المنافسة العسكرية المستقبلية لن تعتمد فقط على امتلاك منصات قتالية ذات قوة نيرانية مرتفعة، وإنما على القدرة على تحريك تلك المنصات بسرعة إلى أي مسرح عمليات مع الحفاظ على استدامة الإمداد والجاهزية القتالية. وتفرض الطبيعة الجغرافية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ تحديات لوجستية كبيرة تجعل التشكيلات الأخف وزنًا والأقل استهلاكًا للموارد أكثر ملاءمة من الألوية المدرعة التقليدية، وهو ما يفسر توجه الجيش الأمريكي نحو زيادة عدد ألوية Stryker القادرة على الانتشار السريع ودعم القوات المشتركة عبر مسافات شاسعة.

كما يحمل هذا التحول دلالات مهمة، إذ يؤكد استمرار الطلب على عائلة Stryker رغم استمرار برامج تطوير دبابات Abrams ومركبات الجيل المقبل. ويعزز هذا التوجه مكانة المركبات المدرعة متوسطة الوزن باعتبارها أحد أكثر القطاعات نموًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع سعي العديد من الجيوش إلى تحقيق توازن بين الحماية والقوة النيرانية والمرونة التشغيلية. ومن المرجح أن يدفع هذا التحول شركات الصناعات الدفاعية إلى تسريع تطوير منصات مدولبة أكثر تطورًا، مزودة بأنظمة حماية نشطة، وقدرات اتصال رقمية متقدمة، وحلول قتالية غير مأهولة، بما يعكس التحول العالمي نحو تشكيلات برية أكثر خفة واستجابة للمتغيرات العملياتية في ساحات القتال الحديثة.