أعلنت مجموعة الدفاع الألمانية العملاقة Rheinmetall عن تحقيق نجاح تسويقي بارز في منطقة شمال إفريقيا، عقب توقيعها عقداً رسمياً مع المملكة المغربية لتوريد سبعة مستشفيات ميدانية عالية التنقل. وتم إبرام الصفقة في يونيو 2026 من خلال الشركة التابعة للمجموعة Rheinmetall Mobile Systeme GmbH، ومن المقرر أن تمتد عمليات التسليم بين عامي 2027 و2028.
وفقاً لتفاصيل التعاقد، سيتم تخصيص مستشفى ميداني واحد لفائدة إدارة الدفاع الوطني المغربية (وزارة الدفاع)، في حين ستذهب المستشفيات الستة المتبقية إلى وزارة الداخلية. وسيتولى شريك وموزع محلي مغربي متخصص في المعدات الطبية مهام المعالجة اللوجستية والتسليم داخل المملكة.
وأوضحت الشركة أن هذه الأنظمة الطبية تعتمد بشكل مباشر على حلول ومنتجات mobile medical facilities التي جرى تطويرها واختبارها ميدانياً على نطاق واسع من قِبل القوات المسلحة الأوكرانية تحت ظروف نقل قاسية وبيئات عمليات عسكرية معقدة.
تتميز هذه المستشفيات الميدانية بمرونتها العالية وقابليتها للانتشار السريع؛ حيث يتم تحميلها بالكامل على شاحنات، مع إمكانية توسيع طاقتها الاستيعابية خارج الشاحنات باستخدام الخيام العسكرية (military tents)، مما يمنحها أوقاتاً قياسية للتركيب والتفكيك.
ويشكل مجمع غرف العمليات الجراحية (أو OT Complex) القلب النابض لكل مستشفى، وهو عبارة عن وحدات وظيفية مستقلة بذاتها تعتمد على حاويات متطورة قابلة للتمدد، وتضم:
- غرفة عمليات حديثة.
- وحدة العناية المركزة.
- وحدة التعقيم.
ويحيط بهذا المركز الحيوي أجنحة لإقامة المرضى ومرافق معيارية مساندة، تشمل محطة للأشعة السينية (X-ray station)، وجهاز الفحص بالأشعة المقطعية (CT scanner)، وصيدلية، ومختبراً طبيًا. كما تشتمل المستشفيات على عيادات متخصصة في طب العيون، وطب الأسنان، وأمراض الأنف والأذن والحنجرة (ENT).
ولضمان العمل الذاتي المستقل في كل من المناطق النائية والحضرية، تم تزويد المستشفيات بأنظمة توليد طاقة مستقلة، ومحطات لمعالجة المياه، وإمدادات خاصة بالأكسجين، إلى جانب وحدات سكنية عسكرية وصحية متكاملة للطواقم الطبية.
وفي تعليقه على الصفقة، صرّح "أرمين كرين"، المدير التنفيذي لشركة Rheinmetall Mobile Systeme GmbH، قائلاً: "إن هذه الأنظمة لا تقتصر على إنقاذ الأرواح أثناء النزاعات العسكرية فحسب، بل تقدم مساهمة حاسمة في الحفاظ على الرعاية الطبية الحادة عندما تعجز المستشفيات الثابتة والمحلية عن العمل"، مؤكداً أن هذا التعاقد يفتح آفاقاً جديدة للتعاون في منطقة شمال إفريقيا.
تحمل هذه الصفقة بين المغرب وشركة Rheinmetall أبعاداً استراتيجية وعملياتية تذهب أبعد من مجرد عملية شراء عسكرية تقليدية، ويمكن قراءتها من خلال ثنائية الاستخدام العسكري والمدني، والذي يعني توزيع المستشفيات واحدة للدفاع وستة للداخلية، ما يعكس بوضوح استراتيجية المغرب في تعزيز مفهوم "الأمن الشامل". فالصفقة لا تهدف فقط إلى دعم الخدمات الطبية للقوات المسلحة الملكية في سيناريوهات النزاع، بل تركز بشكل أكبر على رفع جاهزية وزارة الداخلية لإدارة الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية مثل الزلازل أو الفيضانات، وهي ثغرة بدا واضحاً أن الرباط تسعى لسدها وتحديثها بعد الدروس المستفادة من زلزال الحوز.
كما أن اعتماد هذه المستشفيات على المنتجات التي اختبرتها القوات الأوكرانية يمنح المغرب ميزة الحصول على تكنولوجيا ناضجة ومجربة في أقسى ظروف الحرب الحديثة. بالنسبة لـ Rheinmetall، تحولت الحرب في أوكرانيا إلى مختبر عملي أثبت كفاءة أنظمتها، وهو ما تستغله الشركة حالياً كعلامة جودة لتسريع مبيعاتها الدولية.
تمثل الصفقة اختراقاً تجارياً مهماً لـ Rheinmetall في منطقة شمال إفريقيا. فالسوق المغربي الذي كان يعتمد تاريخياً بشكل كثيف على التسليح الأمريكي والفرنسي، بات ينفتح بشكل متزايد في السنوات الأخيرة على الشركاء الأوروبيين الآخرين مثل ألمانيا وإيطاليا والآسيويين مثل الصين وكوريا الجنوبية. هذا التنويع يقلل من الاعتماد على مورد واحد ويزيد من مرونة القرار الاستراتيجي المغربي.
إن التركيز على ميزة الاكتفاء الذاتي من طاقة ومياه وأكسجين يوضح أن العقيدة العملياتية للمغرب تضع في الحسبان سيناريوهات انهيار البنية التحتية بالكامل. سواء كان ذلك بسبب عمل عسكري أو كارثة طبيعية، فإن القدرة على تشغيل مجمع طبي متكامل بمعزل عن الشبكات الوطنية تمنح متخذ القرار هامش مناورة واسعاً جغرافياً وزمنياً.