في خطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد معايير القوة البرية في شمال أوروبا، أعلنت وزارة الدفاع في كل من المملكة المتحدة والنرويج عن انضمامهما رسمياً إلى اتفاقية البحث والتطوير الخاصة ببرنامج نظام المركبات المدرعة المشترك (Common Armoured Vehicle System - CAVS). ويعد هذا البرنامج، الذي تقوده فنلندا وتشارك فيه دول مثل لاتفيا، السويد، وألمانيا، الركيزة الأساسية لتطوير منصة مدرعة سداسية الدفع (6x6) قادرة على تلبية متطلبات العمليات القتالية واللوجستية في بيئات القطب الشمالي والميادين الأوروبية الوعرة، مما يمثل فصلاً جديداً من التكامل العسكري بين حلفاء الناتو.
يرتكز برنامج CAVS على تصميم مركبة Patria 6x6 التي تطورها شركة Patria Land Oy الفنلندية. وتتميز هذه المنصة بقدرات فائقة على التنقل والحماية، حيث صُممت لتكون مركبة مدرعة "فعالة من حيث التكلفة" وسهلة الصيانة، مع الحفاظ على مستويات حماية عالية ضد الألغام والعبوات الناسفة وفقاً لمعايير الناتو.
وبانضمام United Kingdom وNorway إلى اتفاقية البحث والتطوير، ستحصل الدولتان على وصول كامل إلى نتائج تطوير المنتجات الحالية، والقدرة على المساهمة في تصميم "عناصر وطنية" خاصة تلبي احتياجات جيوشهما. ومن الناحية الفنية، توفر المدرعة خصائص فريدة تشمل:
- نظام دفع متطور: يضمن حركة انسيابية في التضاريس الثلجية والطينية الصعبة في القطب الشمالي.
- هندسة معيارية: تسمح بتحويل المركبة من ناقلة جند إلى منصة قيادة، أو مركبة إسعاف، أو حاملة لأنظمة هاون متطورة مثل NEMO 120mm.
- الاستقلالية اللوجستية: حيث تتيح الاتفاقية للدول المشاركة إنشاء خطوط صيانة وتصنيع محلية، مما يعزز أمن الإمدادات في أوقات الأزمات.
يأتي هذا الانضمام في أعقاب زخم دفاعي كبير بين لندن وأوسلو، تمثل مؤخراً في "اتفاقية لونا هاوس" (Lunna House Agreement) التي شملت تعاوناً بحرياً ضخماً لشراء فرقاطات Type 26 من إنتاج BAE Systems. إن توسيع هذا التعاون ليشمل الأنظمة البرية عبر برنامج CAVS يعكس رغبة البلدين في خلق "جيش مدمج" تحت مظلة الناتو، حيث يتم توحيد المعدات والتدريب واللوجستيات لتقليل التكاليف وزيادة الفعالية القتالية.
وقد أكد المسؤولون في United Kingdom أن المشاركة في البرنامج ستدعم تحديث أسطول المركبات المحمية للجيش البريطاني، بينما ترى Norway في هذه الخطوة وسيلة لتعزيز أمن الجناح الشمالي للحلف في مواجهة التحركات العسكرية المتزايدة في منطقة القطب الشمالي.
استراتيجياً، يمثل توسع برنامج CAVS ليضم سبع دول من الناتو (فنلندا، لاتفيا، السويد، ألمانيا، الدنمارك، النرويج، والمملكة المتحدة) تحولاً نحو "عقيدة التسلح الجماعي". بدلاً من قيام كل دولة بتطوير منصة خاصة بها بتكاليف فلكية، تتوحد القوى خلف منصة واحدة تضمن Interoperability (العمل البيني المشترك).
هذا التكتل يخلق جبهة دفاعية موحدة في شمال ووسط أوروبا، حيث يمكن لمركبة نرويجية أن تخضع للصيانة في ألمانيا، أو تشارك في مناورات مشتركة مع القوات البريطانية باستخدام نفس قطع الغيار وسلاسل الإمداد. إنها استراتيجية "الردع بالتماثل التكنولوجي"، التي تجعل من الصعب على أي خصم استغلال الفجوات التقنية بين حلفاء الناتو.
على المستوى العالمي، يعيد برنامج CAVS تعريف سوق المدرعات المتوسطة. فمن خلال تأمين طلبيات ضخمة تقترب من عتبة الـ 2,000 مركبة، تبرز شركة Patria Land Oy كمنافس شرس للشركات الأمريكية والفرنسية في هذا القطاع. إن نجاح النموذج الفنلندي في جذب قوى عظمى مثل United Kingdom يثبت أن "المرونة والتعاون الصناعي" هما مفتاح النجاح في القرن الحادي والعشرين.
كما أن هذا التحالف سيؤدي إلى انخفاض تكلفة الوحدة الواحدة بفضل "اقتصاديات الحجم"، مما يجعل المنصة خياراً جذاباً لدول أخرى خارج الناتو تسعى لتحديث أساطيلها من ناقلات الجند القديمة. عالمياً، نحن نرى الآن انتقال مركز ثقل ابتكار المدرعات نحو دول شمال أوروبا، حيث يتم دمج الدروس المستفادة من التضاريس القاسية مع أنظمة الرصد الرقمية الحديثة، مما يضع معايير جديدة للمركبات القتالية ذات العجلات على مستوى العالم.