في تطور لافت يعكس تسارع الابتكار في ميدان الأنظمة غير المأهولة، أعلنت شركة DOK-ING الكرواتية بالتعاون مع Dynamit Nobel Defence GmbH الألمانية عن تطوير نظام متقدم لنثر الألغام المضادة للدبابات، يجمع بين المنصة غير المأهولة MV-8 KOMODO ونظام SKORPION2، في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في أساليب الحرب البرية الحديثة.
يعتمد النظام الجديد على دمج منصة MV-8 KOMODO، وهي مركبة هجينة غير مأهولة متعددة المهام، مع نظام SKORPION2 المتخصص في نشر الألغام، بما يتيح إنشاء حقول ألغام منظمة خلال دقائق معدودة، دون تعريض الجنود لمخاطر مباشرة في بيئات القتال عالية التهديد.
ويتميز هذا الدمج بقدرته على تنفيذ عمليات نثر الألغام عن بُعد، حيث يمكن للمشغلين التحكم الكامل في العملية من مسافة آمنة، ما يقلل بشكل كبير من الخسائر البشرية المحتملة ويرفع من كفاءة العمليات التكتيكية في الخطوط الأمامية.
تم تطوير منصة MV-8 KOMODO في الأصل لأغراض إزالة الألغام، لكنها صُممت بهيكل مدرع وقدرات تشغيل عالية تمكنها من العمل في البيئات القاسية، بما في ذلك المناطق الملوثة كيميائيًا أو بيولوجيًا أو إشعاعيًا. كما تدعم تنفيذ مهام متعددة مثل تأمين القواعد الأمامية، وفتح الطرق، والعمليات الأمنية عن بُعد. في المقابل، يوفر نظام SKORPION2 قدرة عالية على نشر مئات الألغام من طراز AT2+، والتي يمكنها تشكيل حواجز تمتد حتى مسافة تصل إلى 2 كيلومتر. وتعتمد هذه الألغام على مجموعة من المستشعرات المتقدمة، تشمل الاستشعار المغناطيسي والاهتزازي والضغط، ما يمنحها قدرة فعالة على رصد وتدمير المركبات المدرعة المعادية.
يمثل النظام الجديد نقلة نوعية في مفهوم "الاستجابة السريعة" في العمليات البرية، حيث يمكن نشر حقول ألغام تكتيكية خلال وقت قياسي، وبمرونة عالية تسمح بتكييف نمط الانتشار وفق طبيعة التهديد وسيناريوهات القتال المختلفة.
ووفقًا للشركات المطورة، فإن هذا الحل لا يقتصر على كونه مجرد دمج تقني، بل يمثل استجابة مباشرة لاحتياجات القوات المسلحة الحديثة التي تتطلب حلولًا أكثر سرعة وذكاءً وأمانًا في إدارة ساحات المعركة المعقدة.
يأتي هذا المشروع في سياق أوسع من التعاون الدفاعي الأوروبي، حيث سبق أن تم توقيع مذكرات تفاهم بين شركات ألمانية وكرواتية لتطوير أنظمة أرضية غير مأهولة، مع التركيز على قدرات مكافحة الحركة ونثر الألغام كأحد أبرز مجالات التطوير.
كما يعكس هذا التعاون توجهًا أوروبيًا لتعزيز الاستقلالية الدفاعية عبر تطوير حلول محلية مشتركة، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في القارة.
يكتسب هذا النظام أهمية خاصة في ظل عودة الاهتمام العالمي بأسلحة تعطيل الحركة، وعلى رأسها الألغام المضادة للدبابات، كأداة فعالة لإبطاء تقدم القوات المعادية وفرض قيود تكتيكية على تحركاتها.
ورغم الجدل الدولي حول استخدام الألغام، خاصة في سياق الألغام المضادة للأفراد، فإن الأنظمة الحديثة مثل SKORPION2 تركز على الألغام الذكية المضادة للدبابات، والتي تُستخدم ضمن أطر عملياتية محددة، وتتميز بقدرات تحكم واستشعار تقلل من الأضرار الجانبية.
ومن اللافت أن هذا التطور يأتي في وقت أعلنت فيه كرواتيا رسميًا خلو أراضيها من الألغام الأرضية بعد عقود من جهود إزالة الألغام، ما يعكس مفارقة استراتيجية بين التخلص من إرث الألغام التقليدية، وتطوير جيل جديد من الألغام الذكية للاستخدام العسكري المنضبط.
من المتوقع أن يسهم هذا النظام في تعزيز موقع الشركات الأوروبية في سوق الأنظمة غير المأهولة، خاصة في قطاع المركبات الأرضية الروبوتية (UGVs) وأنظمة الذخائر الذكية.
كما يعزز من تنافسية الحلول الأوروبية أمام نظيراتها الأمريكية والإسرائيلية، التي تشهد بدورها تطورًا متسارعًا في مجالات الأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي العسكري.
ويُرجح أن يجذب هذا النظام اهتمام العديد من الجيوش، خاصة تلك التي تسعى إلى تعزيز قدراتها في الدفاع المتحرك وإنشاء مناطق منع الوصول دون المخاطرة بالقوات البشرية.
يمثل هذا التعاون خطوة إضافية نحو مستقبل تعتمد فيه العمليات البرية بشكل متزايد على الأنظمة غير المأهولة، سواء في الاستطلاع أو القتال أو الدعم اللوجستي.
ويؤكد هذا التوجه أن ساحة المعركة المستقبلية ستشهد تكاملًا أكبر بين المنصات الروبوتية والأنظمة الذكية، بما يتيح تنفيذ مهام معقدة بكفاءة أعلى وخسائر بشرية أقل.
في هذا السياق، يمكن اعتبار نظام MV-8 KOMODO مع SKORPION2 نموذجًا أوليًا لما قد تصبح عليه أنظمة القتال الأرضية في العقد القادم، حيث تتقاطع الأتمتة مع الذكاء الاصطناعي لتشكيل جيل جديد من القدرات العسكرية المتقدمة.
يعكس مشروع التعاون بين DOK-ING وDynamit Nobel Defence GmbH تحولًا استراتيجيًا في فلسفة استخدام الألغام، من أدوات تقليدية ثابتة إلى أنظمة ذكية ديناميكية تُدار عن بُعد وتُستخدم بمرونة عالية.
كما يؤكد على تصاعد أهمية الأنظمة غير المأهولة في إعادة تشكيل موازين القوة البرية، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة وتطور طبيعة الحروب الحديثة.
وبينما تتجه الجيوش العالمية نحو تقليل الاعتماد على العنصر البشري في المهام الخطرة، يبدو أن هذا النظام الجديد قد يكون أحد أبرز ملامح الجيل القادم من حلول "الحرب بدون جنود" على خطوط التماس الأمامية.